أظهرت دراسة أعدها الباحث د.محمد قاسم عبد الله لمركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد)، بعنوان: الآثار النفسية والسلوكية للحرب على الأطفال والمراهقين وبرامج معالجتها، حدوث اضطرابات القلق بأشكالها المختلفة، الاكتئاب، إضافة إلى متلازمات وأعراض نفسية أخرى، كاضطراب الشدة بعد الصدمة النفسية، واضطرابات النوم والكوابيس، وفقدان الذاكرة، ونوبات الهلع، وقلق المستقبل.. وغيرها تركتها الحرب على الأطفال والمراهقين.
 حاولت الدراسة أن تجيب عن عدد من الأسئلة منها: ما الاضطرابات النفسية والمشكلات السلوكية المنتشرة لدى الأطفال والمراهقين، وما مستوى الصحة النفسية لديهم؟
ما استراتيجيات المعالجة، والبرامج المقدمة للتعامل مع الآثار النفسية؟

يقول الباحث: إن الأطفال والمراهقين يُعدون الفئة العمرية الأكثر عرضة للتأثر بسبب الأحداث الضاغطة وظروف الأزمة في سورية، فقد تسببت مشاهدة العنف ومعايشة الضغوط النفسية يومياً بحدوث مشكلات سلوكية ونفسية متنوعة مثل: المخاوف، والقلق، واضطرابات الشدّة بعد الصدمة النفسيّة، وصعوبة المزاج، وضعف التحصيل، وصعوبات التعلم، واضطرابات النوم، والذاكرة، إضافة إلى أعراض ذهانية واضطرابات في الشخصية قد تستمر طوال العمر إذا لم تلق العناية اللازمة، تحديداً مع بروز ظاهرة التسويف أو المماطلة.

إن مثل هذه الآثار تعمل على تعطيل القدرة على التفكير والتخطيط، وتغيّب المحاكمة والقدرة على حل المشكلات والأداء الوظيفي اليوميّ، ما يؤثر في شخصياتهم على المستوى القريب والفردي، وفي الأجيال اللاحقة والمجتمع عموماً.

ثمة واقع جديد فرضته الأزمة التي تمر فيها سورية منذ سنوات، ويتمثل بمجموعة من التحديات التي أفرزتها التغيرات والأحداث المتلاحقة التي شملت مختلف المجالات، فالحروب وما يرافقها من عنف، تُعد من أبرز العوامل المسببة لفقدان الطمأنينة والاضطرابات النفسية، وتشمل الآثار النفسية للحرب مختلف شرائح المجتمع، خاصة الأطفال والمراهقين، ويُعد اضطراب الشدة النفسية من أبرز الاضطرابات التي تصيب تلك الفئة.

عينة الدراسة

تم تطبيق الدراسة عن عينات عشوائية في حلب شملت:

891 من الأطفال والمراهقين القاطنين في المدينة الجامعية، ودور الإيواء، والمدارس، والمعاهد، في مدينة حلب (في الأعوام: من 2014 حتى 2016)، إضافة إلى عينات طبقية عشوائية شملت 480 طالباً وطالبة من مدارس مدينة حلب في الصفوف من الرابع وحتى التاسع)، وكذلك شملت الدراسة عينة عشوائية من المرشدين النفسيين والاجتماعيين (بلغ عددهم 48).
وخلصت الدراسة إلى النتائج التالية:

في الإجابة عن تساؤل الدراسة الأول: «ما الاضطرابات النفسية المنتشرة لدى الأطفال والمراهقين، عينة الدراسة»، أظهرت النتائج أن الأطفال والمراهقين، عينة الدراسة، يعانون الاضطرابات النفسية الآتية:

40% من أفراد العينة يعانون اضطرابات القلق بأشكالها المختلفة (مخاوف مرضية، وساوس، وهن نفسي، قلق عصابي، اضطرابات جسمية المظهر).

18% يعانون الاكتئاب.

42% يعانون متلازمات وأعراضاً نفسية متنوعة، شملت:

– اضطراب الشدة بعد الصدمة النفسية.
– اضطرابات النوم والكوابيس.
– فقدان الذاكرة النفسي المنشأ.
– تبدد الشخصية المترافق باضطراب الوعي والذهول.
– نوبات الهلع، والمخاوف المرضية.
– ضعف التحصيل الدراسي.
– ضعف الدافعية للدراسة.
– الغياب عن المدرسة والتسرب منها (لدى الأطفال وطلبة المدارس)
– قلق المستقبل.
– اضطرابات المزاج: عسر المزاج، تذبذب المزاج.

وأظهرت الدراسة وجود مشكلات مرتبطة بالمرحلة النمائية لدى الأطفال والمراهقين وفقاً لمايلي:

1- الأطفال دون سن الرابعة: يستجيبون للصدمات بعدة أساليب، منها سلوك تعلق قلق (كقلق الانفصال)، والخوف من الغرباء، وصعوبة النوم، ونوبات الغضب والذعر.

2- الأطفال بين سن 5-12: تظهر عليهم أعراض: صعوبة التركيز، ضعف الأداء المدرسي، استعادة ذكريات الصدمة، قلق الموت.

3- المراهقون يقومون بدور الكبار، ويظهر لديهم نقص في الاتزان الانفعالي، وسلوكيات غير اجتماعية.
سمات الشخصية المستدعية للعلاج:

ظهرت على أفراد عينة الدراسة أعراض سريرية وفق الآتي: توهم المرض، بنسبة 45% من العينة، الاكتئاب بنسبة 38%، الشعور بالذنب 30%، الانسحاب 29%، الانحراف السيكوباتي، أو السلوك غير الاجتماعي 26%، عدم الكفاية النفسية 21%، جنون الارتياب أو البارانويا 14%.

وفي تفسير هذه النتيجة، يقول الباحث: إن متغيرات متنوعة في الشخصية تهيئ للتعرض لهذه المتلازمات المرضية أبرزها: الضغوط النفسية، وضعف المهارات الاجتماعية، وسمة العصابية في الشخصية، وإن الدراسات التي استهدفت بحث متغيرات الشخصية الأكثر ارتباطاً بسمات الشخصية المستدعية للعلاج، قد أظهرت أن نقص المهارات الاجتماعية يرتبط بانخفاض تقدير الذات وعدم المرونة النفسية وباضطرابات الشدة التالية للصدمة، وارتفاع أعراض القلق في الأزمات والحروب هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يُعد المزاج من الأسس الثابتة التي تحدد السمات الانفعالية للشخصية.

مستوى الصحة النفسية:

كما أظهرت الدراسة أن نسبة منخفضي الصحة النفسية 47%، بينما نسبة مرتفعي الصحة النفسية 5%، أما نسبة متوسطي الصّحة النفسية فبلغت 48% وهي نسبة تتقارب مع نسبة منخفضي الصحة النفسية.

وفي مظاهر الصحة النفسية، احتل التوافق الشخصيّ المرتبة الأولى، يليه حبّ الذات، وحبّ الآخرين (فضيلة الحب) في المرتبة الثانية، ثم الثقة بالذات والقدرة على ضبطها في المرتبة الثالثة، ثم التوافق الاجتماعيّ الذي احتل المرتبة الرابعة، ويلاحظ أن الهدف من الحياة قد احتل المرتبة العاشرة.

واختبرت الدراسة مدى الارتباط بين مظاهر الصحة النفسية وسلوك التسويف أو المماطلة الذي يعدّ من المتغيرات السيكولوجية المهمة التي تؤثر في الصحة النفسية بمظاهرها المختلفة.

وتبين أن مظاهر الصحة النفسية ترتبط ارتباطاً موجباً بين التسويف وكل من: معرفة الذات وتقبلها، والشجاعة، (الارتباط الإيجابي يعني وجود علاقة طردية: كلما زاد المتغير الأول يزيد المتغير الثاني)، بينما ظهر ارتباط سالب بين التسويف وكل من: الثقة بالذات وضبطها، والإرادة وتقبل المسؤولية ومظاهر الصحة النفسية، والتوازن والاعتدال، وإدراك واضح للواقع، وحبّ الذات والآخرين.
يقول الباحث: إن التسويف من السلوكيات المهمة التي تنبئ بمظاهر الصحة النفسية الذي يحدد درجة توافق الفرد مع نفسه ومع بيئته، تحديداً في الأزمات والضغوط النفسية التي تتطلب من الفرد أن يوفر مستوى مرتفعاً من الأداء الوظيفي واتخاذ القرار، بما يتيح للفرد إدراك الواقع، وفهم الذات والآخرين والتوازن.

المشكلات السلوكية

عن تساؤل: «ما أكثر المشكلات السلوكية لدى أفراد العينة من وجهة نظر المرشدين النفسيين» أظهرت الدراسة أن المشكلات الأكثر انتشاراً هي: السلبية، التأخر الدراسي، المشاجرات بين التلاميذ، إهمال الواجبات، سلوكيات عدوانية، غياب متكرر، شكاوى الطلاب من سوء معاملة المدرسين.
التدخل واستراتيجيات المعالجة:
إن تنوع الآثار النفسية والسلوكية للحرب والأزمة المرافقة لها، وتفاوت حدتها، يفرض تنوعاً وتكاملاً في أساليب المعالجة، بدءاً من برامج الدعم النفسي الاجتماعي، مروراً بالإرشاد النفسي، وانتهاء بالعلاج الطبي النفسي المتخصص. وعن برنامج الدعم النفسي الاجتماعي، يقول الباحث: إنه تم تشكيل فريق الدعم النفسيّ الاجتماعيّ التطوعيّ في جامعة حلب، عام 2014، وتم وضع خطة عمل الدعم النفسي الاجتماعي التطوعي، بهدف تشكيل فرق من المتدربين من طلبة الجامعات والمتطوعين على تقديم التأهيل النفسي الاجتماعي والدعم التعليميّ التربويّ في عدد من المناطق. ويقترح الباحث برنامجاً لتشبيك العلاج النفسي بالعلاج الطبي وفق المدخل المعاصر لعلم النفس الصحي الإكلينيكي أو السريري، ويقول إن من بين الأسس والمسوّغات التي يقوم عليها البرنامج المقترح:
1- نتائج الدراسة الحالية والدراسات السابقة التي أكدت أهمية دور اختصاصي الصحة النفسية (المرشد والمعالج النفسي) في المجال الطبي.
2- تطوع بعض الباحثين والمتخصّصين للتدرب في بعض المؤسسات الصحية والاجتماعية، وملاحظتهم مدى أهمية وجود متخصّصي الصحة النفسية من مرشدين ومعالجين نفسيين على تذليل الصعوبات التي تواجه الفريق الطبي، ومساعدة المرضى للاستفادة من الخدمات النفسية المقدمة لهم.

3- اتضح من الزيارات الميدانية التي قام بها الباحث أن أغلب المؤسسات الصحية لا يوجد فيها مختصون في الصحة النفسية أو في الإرشاد النفسي، وإن وجد في بعض المستشفيات أو المؤسسات، فإنه لا يوجد توصيف وظيفي لدورهم المهني.

اقتراحات

كما خلصت الدراسة إلى عدد من الاقتراحات على مستويات مختلفة: فعلى مستوى وزارة الصحة والمؤسسات الصحية ضرورة:

1- إنشاء أقسام خاصة في مديريات الصحة تحمل اسم «قسم الصحة النفسية» تتبع وزارة الصحة، مهمتها الإشراف على تنفيذ برامج الصحة النفسية والاجتماعية في مختلف المناطق.

2- زيادة عدد المرشدين النفسيين واختصاصيي الصحة النفسية في المستشفيات من كلا الجنسين.

3- إقامة دورات تدريبية للمرشدين النفسيين التابعين لوزارة الصحة ووزارة التربية للعمل على تطوير مهاراتهم، واكتساب مهارات جديدة تساعدهم على التواصل مع الحالات والفريق الطبي، وتدريبهم على التقنيات والأساليب الحديثة في معالجة المشكلات والاضطرابات النفسية الناتجة عن الحرب وما خلفته من أزمات.

وعلى مستوى وزارة التربية والمدارس:

1- تنفيذ ندوات لأولياء الأمور حول أساليب المساندة النفسيّة والاجتماعيّة المناسبة لكلّ مرحلة عمريّة، وإتاحة الفرصة للطفل في اللعب والمشاركة، بما يحقّق الأمن النفسي والتربويّ له.

2- تنفيذ لقاءات وورش عمل للمعلمين ومديري المدارس لتعريفهم بأدوارهم المساعدة في تنفيذ برامج الإرشاد النفسي والدعم الاجتماعي بالتعاون مع المتخصّصين في الإرشاد النفسي والصحة النفسية.

إضافة إلى تفعيل الأنشطة الصفية واللاصفية في المدارس، بوساطة تنفيذ الأنشطة الحركية، والحسية بعامّة، وإعادة النظر في مناهج التعليم ما قبل الجامعي والجامعي، بما يلبي المتطلبات الجديدة، كما يرى الباحث ضرورة إحداث مركز للإرشاد النفسي في كل جامعة من الجامعات السورية.

09/02/2019
عدد المشاهدات: 5412
اسعار صرف العملات
www.syria-ex.com

إقرأ أيضا أخبار ذات صلة