يواصل سعر صرف الدولار الأمريكي ارتفاعاته القياسية و التي لم تشهدها طيلة سنوات الحرب السابقة، حيث تجاوز سعره مستويات الـ700-725 ليرة الأسبوع الماضي، ووفقا للتقديرات و الحسابات فإن تراجع قيمة الليرة يساهم بنصف ارتفاع سعر الدولار وبـ 350-362.5 ليرة من أصل 700-725 ليرة مقابل الدولار، بينما النصف الآخر فتساهم به جملة عوامل ترتبط بارتفاع الطلب على الدولار.

السعر الذي لا يستكين ويستمر في اتجاهه الصاعد، له عوامل تحدده وهو ليس سعراً وهمياً، بل ناجماً عن أسباب ترتبط بأمراض الاقتصاد السوري بالدرجة الأولى، وتحديداً الأمراض العقيمة التي يُصاب بها أصحاب القرار والتي لا تُحَل إلا بالبتر، كمرض التمسك بالدولار أياً كان مصير الليرة.
هنالك محددات تقول ما هي الحدود الدنيا لسعر الصرف، التي لا يمكن له أن ينخفض عنها... فما القيمة الدنيا لسعر صرف الدولار مقابل الليرة في الظروف الحالية، ولماذا السعر في السوق أعلى منها بكثير؟!

تراجع الليرة يرفع سعر الصرف إلى 350 فقط
تقديرات قاسيون تقول إن الليرة قد فقدت 86% من قيمتها بين 2010-2018، وذلك وفق المحددات الأساسية لقيمة النقود المحلية، التي ترتبط أولاً: باستخدام هذه النقود في الحركة الإنتاجية التي تراجعت بنسبة 60% تقريباً ليقل الناتج عن 25 مليار دولار.
وثانياً: بكميات هذه النقود، هل هي فائضة عن حاجة الاستخدام المذكور أم لا... وبين 2010-2018 تضاعفت كتلة الليرات ثلاث مرات تقريباً واصلة إلى 6000 مليار ليرة.
أي أن الليرات كانت تزداد كمية طوال سنوات الأزمة، وبالمقابل استخدامها أو وظيفتها الفعلية تتراجع، الأمر الذي يؤدي لانخفاض قيمة الليرة، حتى دون أي تأثير لوضع الدولار.
وفق هذه المحددات فإن سعر صرف الدولار الذي كان 47,5 في 2010، ينبغي أن يرتفع إلى 350 ليرة بالحد الأدنى...

طلب عالٍ على الدولار يرفع سعر الصرف
يمكن القول تقديرياً وبناء على هذا الحساب إن تراجع قيمة الليرة يساهم بنصف ارتفاع سعر الدولار وبـ 350 ليرة من أصل 700 ليرة مقابل الدولار، بينما النصف الآخر فتساهم به جملة عوامل ترتبط بارتفاع الطلب على الدولار.

هنالك روافع أساسية لارتفاع الطلب على الدولار. فأولاً خروج وتهريب رؤوس الأموال بشكل مستمّر والتي تتراوح بين 22-35 مليار دولار وفق التقديرات المختلفة. وثانياً عجز الميزان التجاري، أي زيادة الواردات على الصادرات ذلك العجز الذي أصبح يشكل نسبة الربع تقريبا ًمن الناتج، والذي أخرج في 2018 وحدها 6 مليارات دولار من البلاد!

هذا عدا عن عامل هام جداً وهو مرابح المضاربة، فعملياً عندما يكون فرق الدولار بين السعر الرسمي وسعر السوق أكثر من 100 ليرة وصولاً إلى 260 ليرة تقريباً... فإن حافز طلب الدولار للمتاجرة به يرتفع.
كل عوامل ارتفاع صرف الدولار مؤمنة ومستعرة، سواء المتعلقة منها بالليرة أو المتعلقة بالدولار...
ومواجهة تراجع قيمة الليرة وارتفاع الدولار تتطلب خطوات قوية ومحددة، لا تناسب بنية مصالح النخب الاقتصادية السورية التي تحدد طابع سياسات الحكومة والمركزي. والمطلوب يمكن اختصاره في جانبين أساسين، لهما سياسات تفرعية عديدة:

أولاً زيادة الطلب على الليرة
وذلك عبر تحويل كتلة الليرات المتكدسة في المصارف إلى قوة إنتاجية تخلق منتجات محلية ونشاطاً اقتصادياً، وتخلق ثروة جديدة:
- إدخال أموال للاستثمار في الزراعة والصناعة والبنى التحتية والإسكان وإنتاج الطاقة وبوتائر محددة ومتسارعة ترفع الناتج وتزيد قيمة الليرة.
- إلزام المصارف الخاصة والعامة بنسب استثمارية سنوية في القطاعات الإنتاجية مع ضمانات الاسترداد المناسبة، بالشكل الذي يمنع تهريب الأموال وتعطيلها.
- الأمر الذي يتطلب خفض أسعار الفائدة للإقراض الإنتاجي، وتحويل جزء هام منه إلى إقراض سلعي، أي تُقرض المزارع أداة إنتاج، أو تُقرض الصناعي خط إنتاج، بالشكل الذي يضمن تحول الإقراض إلى ناتج مباشرة، ويجعل السداد مضموناً أكثر.
- كما يتطلب توسيع الاستثمار الحكومي واستخدام الحكومة لمواردها في ترميم البنى التحتية وإنتاج الطاقة ومشاريع الإسكان، وفي المنشآت الصناعية الحكومية ومؤسساتها الزراعية الاقتصادية كالأعلاف والبذار والدواجن والحبوب وغيرها.
ثانياً تخفيض الطلب على الدولار، الإجراء الذي يتطلب جملة تغييرات واسعة في المنظومة الاقتصادية التي تعتمد الدولار في الكثير من أساسياتها. وذلك عبر ضرب مواضع الطلب الكبير على الدولار والتي تتركز في الطلب على الدولار لتهريب الأموال للخارج، والطلب من أجل الاستيراد، والطلب من أجل المضاربة.

وقف تهريب الأموال
- تحديد آليات تهريب الأموال، وتجريمها ووضع عقوبات رادعة تتعلق بمصادرة أموال وممتلكات الأثرياء المهرّبين، ومعاقبة المؤسسات المالية التي تلعب دوراً في ذلك، والتي يتم جزء كبير منها عبر المصارف الخاصة التي يمكن لها أن تنقل أموالها إلى فروعها الخارجية، والتي يتوزَّع الأثرياء السوريون ملكية المساهمات الكبرى في رؤوس أموالها... كما أن التجارة الخارجية تلعب دوراً هاماً في هروب رؤوس الأموال الذي يتطلب التدقيق في بيانات الاستيراد والتصدير السورية وبيانات الجودة ونوع البضائع.
لأن أية مقارنة للأرقام السورية المعلنة مع وسطي التسعير الدولي يشير إلى وجود تضخيم كبير في كلف الاستيراد وتقليص في أرقام التصدير... وهذان الإجراءان يعتبران من الأدوات الأساسية في تهريب الأموال غير الشرعية عبر العالم. إذ إن تضخم قطاع التجارة الخارجية في سورية خلال الأزمة، وتحديداً الاستيراد يشي بتحوله إلى بوابة تهريب الأموال إلى الخارج، والأسوأ أنه قد يكون بوابة لتبييض التمويل المشبوه الداخل أو الخارج في بلاد تعتبر من أخطر مناطق العالم الأمنية اليوم!

إنهاء الدولار في التجارة الخارجية
- تغييرات كبرى في التجارة الخارجية وتحديداً في جانب الاستيراد باتجاه، تقليص الكميات، وتحديداً للمواد غير الضرورية التي تشكل كتلة أساسية من المستوردات، مثل الدخان والموبايلات والسيارات الجديدة المستوردة كقطع. إنهاء استخدام الدولار في استيراد الأساسيات، مثل المواد الغذائية والوقود والمستلزمات الزراعية والصناعية، وذلك عبر تأمين استيرادها بعقود مباشرة بين الدول ومع الأطراف المستعدة لتجاوز العقوبات...
كأن يتم فتح حساب بالعملة الصينية اليوان (كما تفعل معظم دول الخليج) فعوضاً عن أن يُعطي المصرف المركزي الدولار للمتنفذين من المستوردين السوريين ليتاجروا به ويهربوا أموالهم عبره، يمكن تحويل هذه الدولارات إلى حساب بالعملة الصينية ليتم تمويل التجارة السورية من الصين التي تعتبر المورّد الأكبر لسورية! ونعزل بالتالي كتلة كبيرة من الدولار عن التداول الدوري، هذا عدا عن إمكانية فتح حساب بالعملات المحلية لنضع ليرة مقابل اليوان، وهو خيار تتيحه الصين في تعاملاتها مع الأطراف الدولية الأخرى وتطبقه دول إقليمية عديدة.
أو يمكن إنشاء مراكز حكومية في الدول الصديقة تقوم بلعب دور تجاري ومصرفي وتقوم بخدمات تأمين ونقل البضائع الأساسية. بحيث لا تنفع العقوبات ضد شركات أو تجمعات لا تشابكات مالية أخرى لها، أي لا إمكانية لمصادرة أو حجز أموالها في مواضع أخرى، وهو ما يمكن أن يؤمن الوقود والقمح ومستلزمات زراعية وصناعية من روسيا مثلاً بأسعار مخفضة وبغير الدولار وبسداد ائتماني ربما، أو غيرها من الأشكال التي تقلص حكماً من كلف الاستيراد، وتجعل جهة سورية مركزية تدير العملية وتخفِّف من تكاليف ابتزاز السوريين بالعقوبات عبر رفع تكاليف المخاطرة والتأمين والنقل من قبل السماسرة المحليين والأطراف التجارية الخارجية التي يتعاملون معها، والذين يستوردون للدولة حاجاتها الأساسية الآن.

إلغاء حافز المضاربة
أما الجانب الثالث الذي يشكل ثقلاً في الطلب على الدولار، فهو فروقات السعر بين السعر الرسمي وسعر السوق، فكل دولار رسمي بسعر 440 ليرة تقريباً يحقق ربحاً في السوق، كان في أدنى حالاته 100 ليرة في نهاية 2018 ووصل الآن إلى 260 ليرة ربحاً في كل دولار. وهو الأمر الذي يجعل لدى التجار رغبة بحيازة الدولار والاستفادة من تحركاته سعره. كما أن استمرار تحرك الدولار باتجاه الارتفاع يجعل الدولار أداة حفظ لقيمة الأموال. إن هذه العملية لا يمكن مواجهتها طالما أن هنالك سعرين، الفارق كبير بينهما، وهذا لا يعني أن تقوم الحكومة برفع سعرها، بل على العكس يلتغي حافز المضاربة عندما ينخفض سعر الدولار فعلياً عبر الإجراءات السابقة، مع توسيع منع التداول والتعامل بالدولار... والأهم إلغاء حصة مؤسسات الصرافة من تحويلات الدولار الخارجية للمواطنين، وإعطاء المواطنين سعراً أعلى من السعر الرسمي، كدعم لعمليات التحويل النظامية.

إنَّ من يريد عدم تحمل مسؤولياته الاقتصادية الاجتماعية بل والسياسية تجاه تدهور وضع الليرة وما يحمله من مخاطر اقتصادية واجتماعية، يستطيع أن يلقي كل المسؤولية على الخارج وعلى العقوبات الاقتصادية... بينما الحقائق المرّة تقول إن السياسات الاقتصادية المحلية هي المسؤول الأكبر عن الجرائم الاقتصادية التي تصيب السوريين وليرتهم، بعد أن تمادت هذه السياسات خلال الأزمة في محاباتها لرؤوس الأموال الطفيلية المرتبطة بالتجارة والمضاربة وبالاحتكار والمعتمدة على النفوذ، والتي لا تطيق انفكاكاً عن الدولار، وتعادي دعوات من هذا النوع.
وذلك ليس تجنّياً أو تقليصاً لدور العقوبات في التدهور، ولكن المعركة السياسية السورية تجعل العقوبات أمراً واقعاً وينبغي التعامل معه بالتحدي وبأن ندفع كلنا أثماناً، عوضاً عن التعدي على بقايا ما يملكه عموم السوريين، وتحويل العقوبات لفرصة ذهبية لكبار السماسرة وواجهات النفوذ والمال.
إن من نافل القول إن جرائم اقتصادية تُرتَكَب في سورية اليوم، عندما لا يتم دعم الليرة دعماً جدياً عبر دفع الإنتاج عوضاً عن «مسرحيات استعراض عضلات» قوى المال التي كانت هزلية وفاشلة. وجرائم ترتكب عندما لا يتم تقليص كتلة الدولار في التجارة الخارجية بل إبقاؤه مصدر ربح استثنائي للمتنفذين الكبار، وأكثر من ذلك ترك الباب مفتوحاً ليربح هؤلاء بالليرة ويهِّربوا ربحهم بالدولار وليبيِّضوا أموالهم المدمّاة بجوع السوريين وعمل أطفالهم وتدهور مستقبلهم.

86%
تراجعت قيمة الليرة بنسبة 86% بين 2010 و2018، ما يعني أن سعر الصرف إذا كان يتحدد بتراجع الليرة يفترض أن يرتفع من 47,5 ليرة في 2010 إلى 350 ليرة في 2018.



6مليارات دولار
عجز التجارة الخارجية مسؤول عن إخراج 6 مليارات دولار من سورية في عام 2018 حيث المستوردات فاقت 6,7 مليارات دولار والصادرات 0,7 مليار دولار

35 مليار دولار
تتباين أرقام رؤوس الأموال المهربة من سورية خلال الأزمة وأقل التقديرات أشارت إلى 20 مليار دولار ووصلت إلى 35 مليار دولار أموالاً مهربة إلى الإقليم وعبر المصارف والتجارة

إقرأ أيضا أخبار ذات صلة