الاخبار المحلية > الصابون الحلبي.. تعرف إلى كواليس صناعته والتحديات التي تواجهه بعد الحرب
2026-03-10
تشكل صناعة الصابون الحلبي واحدة من أقدم الحرف التقليدية في سوريا، إذ ارتبط اسمها بمدينة حلب منذ قرون طويلة، وأصبحت رمزاً من رموز تراثها الصناعي والثقافي. ومع شهرتها الواسعة حول العالم، عاد هذا المنتج التقليدي إلى الواجهة مجدداً بعد إدراجه مؤخراً ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي ، في اعتراف دولي بقيمته التاريخية والحرفية.
وفي تقرير نشرته مجلة The Architectural Digest، جرى تسليط الضوء على تاريخ الصابون الحلبي وطريقة صناعته التقليدية التي ما زالت تعتمد على زيت الزيتون وزيت الغار، إلى جانب التحديات التي تواجه هذه الصناعة بعد سنوات الحرب في سوريا، بما في ذلك تضرر المعامل وانتشار المنتجات المقلدة خارج البلاد.
وفيما يلي الترجمة الحرفية للتقرير كما نشرته المجلة، من دون أن يعني ذلك تبنّي موقع تلفزيون سوريا لما ورد فيه من آراء أو معلومات:
تشتهر مدينة حلب التي يرجع تاريخها لأكثر من ثمانية آلاف عام، بعدد من الرموز الثقافية الغنية، مثل قلعتها الأثرية، وسوقها الصاخب، وطبق اللحم بكرز، ومطربها الأسطوري صباح فخري. كما تشتهر بحرفة الصابون الحلبي الذي صار يعرف بالذهب الأخضر خلال مرحلة من المراحل، ويعتبر الأقدم على مستوى العالم، ولهذا أضيف منذ فترة قريبة إلى قائمة اليونسكو للتراث الثقافي اللامادي، في اعتراف وتقدير كبير رحب به أصحاب المعامل ورواد الأعمال السوريون حرصاً منهم على حماية هذا النوع من الصابون الذي يعرف أيضاً باسم صابون الغار الذي يتسم ببساطته وبمكوناته الطبيعية، ويرمز إلى حرفة أصيلة قاومت لتبقى على مر الأيام. ولكن كيف يصنع الصابون الحلبي وما هو مستقبله بعد الحرب التي شهدتها سوريا؟
عامل يحمل قطعتي صابون حلبي في أحد المعامل الواقعة على أطراف مدينة حلب- تاريخ الصورة 10 شباط 2019
ظهر هذا الصابون في ثاني أكبر مدينة بسوريا، وإليها ينسب، ويتألف من مكونين أساسيين هما زيت الزيتون وزيت الغار، ولهذا يمكن أن يستخدم لتنظيف الوجه واليدين والشعر والجسم. ولهذه المادة المنظفة التي تأتي بلونين أخضر وبني فاتح تاريخ طويل يعود للعصور الوسطى، ويعتقد بأن الصليبيين حملوه معهم إلى أراضي أوروبا. واليوم، مايزال هذا الصابون ينتج محلياً في مصانع عائلية قديمة بحلب.
لوحة عن الصابون الحلبي بريشة الفنان بطرس المعري
ومن بين هذه المصانع مصنع النجيل الذي يديره الدكتور منار نجار من مقر إقامته في فرنسا، بعد أن عرّف هو وزوجته كاثرين إيليا-نجار الأوروبيين على ذلك الصابون التقليدي في عام 1996. تنتج شركة النجيل في كل عام أكثر من 1200 طناً من هذا الصابون. وبالنسبة لنجار، فإن إنتاج الصابون مسألة شخصية، منذ أن دخلت عائلته عالم التجارة في عام 1895، وعن ذلك يقول: "كنت أكبر الأحفاد لدى جدي، وكنت دوماً أرافقه في عملية طبخ الصابون الذي أعتز به كثيراً".
زائر يحمل لوح صابون في مصنع مصباج الزنابيلي للصابون – تاريخ الصورة: 22 أيار 2025
يخضع إنتاج الصابون الحلبي لعملية تتم خطوة بعد خطوة وتتطلب انتباهاً ورعاية وصبراً، والأهم من كل ذلك هو أنه يصنع وفقاً لطريقة الأجداد في صناعته، إذ يقول نجار: "اشتهر جمال [هذا الصابون] في العالم كله وذلك لأنه مايزال يصنع بالطريقة التقليدية". والخطوة الأولى تبدأ بعملية التصبن، حيث توضع المكونات الأساسية التي تشمل زيت الغار وزيت المطراف (الذي يستخلص مع العصرة الثانية لزيت الزيتون) والمادة القلوية التي تستخدم لصناعة الصابون، وتمزج جميعها بالماء بدرجة 90 مئوية وتبقى في مراجل ضخمة لساعات طويلة، إلى أن يتشكل سائل أخضر لزج، وكلما تمت هذه الخطوة بتأن وبطء أتت النتيجة أفضل. بعد ذلك يغسل المعجون الأخضر بماء مالح، ثم يسكب بسخاء على الأرض، ويترك هذا السائل ليجف بعد تسوية شكله تماماً.
مازن زنابيلي صاحب مصنع زنابيلي للصابون وهو يتفقد عملية صناعة صابون الزيتون في مصنعه بحلب القديمة – تاريخ الصورة 6 آذار 2022
عامل يشرف على صناعة صابون الغار في مصنع الجبيلي للصابون في مدينة حلب- تاريخ الصورة 24 كانون الثاني 2022
بعد ذلك تأتي المرحلة الممتعة، وذلك عندما ينزلق عاملو المصنع فوق حقل من عجينة الصابون، فيقطعونها إلى مكعبات بأدوات يستخدمونها بأرجلهم. ثم يطبع شعار المصنع على قطع الصابون، ويشتمل الشعار عادة على اسم العلامة التجارية أو اسم العائلة التي تدير المصنع، إلى جانب كلمة حلب. وبعد تقطيع الصابون وختم الشعار عليه، يترك ليجف بكميات كبيرة، توضع بعضها فوق بعض بأشكال مبهرة تتخذ شكل أبراج أو أهرامات، وذلك داخل أحد الأقبية. وقبل أن تخضع للتغليف النهائي، تجف قطع الصابون بالعادة وتتصلب في غضون فترة تتراوح ما بين ستة إلى تسعة أشهر، فتخسر 30% مما تختزنه من الماء.
أحد العمال وهو يتفقد وضع سائل الصابون
عمال يقطعون صابون الغار في معمل الجبيلي للصابون بحلب – تاريخ الصورة 24 كانون الثاني 2022
عامل يتفقد عملية تقطيع الصابون في معمل الجبيلي – تاريخ الصورة 24 كانون الثاني 2022
يشتهر هذا الصابون بخواصه المرطبة والمنعمة والمنقية للبشرة، ويخبرنا نجار بأن الفائدة الأساسية لهذا الصابون تتلخص في قوته في تنظيف البشرة من دون التسبب بأي آثار مضرة، بما أن هذا الصابون عموماً يتحول إلى زيوت تمتصها البشرة بمجرد أن يلامس الماء.
الصابون الحلبي في مدينة دمشق
الصناعي خالد سقا صاحب ورشة لصناعة الصابون في حلب وهو يرتب ألواح الصابون المصنوعة بطرق بدائية في مدينة مارع الواقعة شمالي حلب – تاريخ الصورة 13 أيار 2017
لاشك أن صناعة الصابون تعرضت لضربة قوية منذ بدء الثورة التي أعقبتها حرب مدمرة في سوريا في عام 2011، إذ في مقالة نشرها موقع الجزيرة في أواخر عام 2024، أي بعد الإطاحة بنظام الأسد، كتب الصحفي علي حاج سليمان بأنه لم يعد في حلب سوى 15 مصنعاً للصابون الحلبي من أصل 120 مصنعاً كان يعمل قبل الحرب. فخلال تلك الحرب، تضرر المصنعان اللذان يملكهما نجار، بعد أن أصيب أحدهما بالقصف، في حين سيطر الثوار على المصنع الثاني، فافتتح نجار مصنعاً ثالثاً بعد الحرب.
أبنية مدمرة يمكن للمرء رؤيتها من مصنع الزنابيلي للصابون بمدينة حلب القديمة – تاريخ الصورة 6 آذار 2022
وثمة مشكلة أخرى يعاني منها أصحاب مصانع الصابون الحلبي، وهي التزوير وإنتاج هذا الصابون خارج سوريا كما أخبرنا نجار. إذ نظراً لانعدام الاستقرار في سوريا، نقل بعض أصحاب المصانع معاملهم إلى خارج البلد وواصلوا العمل من هناك، حيث أخذوا يضيفون مواداً غير ضرورية مثل زيت النخيل والمشتقات الحيوانية إلى هذا النوع من الصابون، كما صارت بعض أنواع هذا الصابون تصنع في دول مثل تونس والمغرب وتركيا وفرنسا، أي أن المنتج النهائي جرد من أصالته ولم يعد جديراً باسمه، ولهذا يعلق نجار بالقول: "لا يمكننا أن نطلق عليه تسمية الصابون الحلبي إن لم يصنع في حلب".
مازن زنابيلي وهو يتفقد الجزء المرمم من مصنعه في مدينة حلب القديمة – تاريخ الصورة 6 آذار 2022
قبل عقد من الزمان، أصدرت الحكومة ووزارة الزراعة في سوريا قانوناً يمنح حماية جغرافية للإنتاج المحلي من الصابون الحلبي في مدينة حلب وضواحيها، إلا أن هذا القانون لم يفعل برأي نجار ولذلك يقول: "ما نحتاج إليه اليوم هو تدخل الحكومة السورية لحماية الصابون الحلبي كما يجب، لأن الحكومة إن لم تتدخل، فإن مصير هذه الصناعة هو الزوال بكل تأكيد، حتى ولو تم ذلك بوتيرة بطيئة".