2026-03-14
بين رتلين من مراكز الإيواء البيضاء ذات الشكل الأسطواني، أخذ الأطفال يروحون ويجيؤون مهرولين نحو سياج الأسلاك الشائكة الذي يفصلهم عن الحرس المسلحين، فهذه هي المرة الأولى التي يتذوقون طعم الحرية، بل إن هذه الحرية أكبر من أي حرية عاشوها في حياتهم.

لدى أحد منهم دراجة هوائية، في حين وضعت طفلة أخرى صفارة بلاستيكية بين شفتيها وكأنها تضع مصاصة. وبنهاية البيوت التي تشبه الأكواخ وبيوت الدفيئة، أقيم ملعب لون بألوان زاهية على سطح خراساني، إذ في ذلك الحين، كانت عشرات العائلات قد وصلت لتوها بعد رحلة بالحافلة استغرقت يوماً بأكمله.

حرصت السلطات على نقل آخر القاطنين في مخيم الهول في غضون أسبوع، إذ منذ سقوط تنظيم الدولة في عام 2019، أصبح هذا المخيم يؤوي معظم الأهالي المتهمين بعلاقات تربطهم بهذا التنظيم، بالإضافة إلى النازحين الذين لا تربطهم أي صلة بالتنظيم. وهذا المخيم الكبير، والذي هو في الحقيقة عبارة عن سجن مفتوح، كان يخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ولكن بنهاية شهر كانون الثاني، انسحبت تلك القوات مع تقدم الجيش السوري الذي استعاد السيطرة على المخيم بعد مرور ساعات على انسحاب "قسد" منه.

خلال الفترة الفاصلة، ومن بين سكان المخيم الذين وصل عددهم إلى 24 ألفاً تقريباً، فر الآلاف من النساء والأطفال من أهالي الجهاديين الأجانب، وبعضهم نقل إلى ريف إدلب، في حين نقل آخرون إلى حلب. وتحدثت عدة مصادر عن عودة نشاط المهربين على الحدود التركية، فبقيت بعض العائلات في تركيا، وتدبرت عائلات أخرى أمرها لتواصل طريقها إلى أوروبا بطريقة غير شرعية.

يتحدث مصدر أمني سوري عن هروب تلك العائلات فيقول: "عند اقترابنا من الهول، طلبنا من قسد التأكد من تأمين المكان، تماماً كما فعلنا مع سجن الشدادي، إذ المفروض أن ذلك أولوية، لأن تنظيم الدولة أمر عناصره بتحرير السجناء والعائلات التي تربطها صلات بتنظيم الدولة بأي وسيلة ممكنة. غير أن قسد لم تؤمن المخيم، ولهذا عندما وصلنا، كان معظم الجهاديين قد فروا مع عائلاتهم".

بالنسبة لمخيم الهول الذي يعرف بـ"دولة الخلافة المصغرة"، حيث يواصل هذا التنظيم الجهادي نشاطه، أكد مصدران سوريان حصول فراغ أمني امتد لثماني ساعات مع عدم وجود حرس لتأمين المخيم، وعن ذلك تحدث أحد المسؤولين فقال: "هربت نساء كثيرات، بمساعدة مباشرة في بعض الأحيان من عناصر تنظيم الدولة، وقد قطع السياج المحيط بالملحق الذي كانت النساء والأطفال الأجانب يعيشون فيه".

عند عثور قوات الحكومة على العائلات الهاربة في البادية، أخبرونا عن معاناة تلك العائلات من مشكلات صحية خطيرة، كما تحدثوا عن تعرض الأطفال لنوبات هلع استدعت نقلهم إلى المشفى على جناح السرعة، وهكذا استقلت تلك العائلات سيارات الإسعاف، في حين ركب البقية سيارات مدنية، واعترف المسؤول بأنهم عندئذ فقدوا أي أثر لتلك العائلات.

ويؤكد ما جرى الباحث آرثر كيسناي من جامعة باريس الأولى (بانتيون-السوربون)، فيقول: "كان أخطر الأفراد بين هؤلاء الذين تمكنوا من الفرار، وخاصة خلال الساعات الأولى من الفراع الأمني الذي حصل بين رحيل القوات الكردية ووصول جيش الحكومة، فقد كان لدى هؤلاء الأفراد مبالغ دفعوها للمهربين حتى يخرجوهم من المخيم، ويعبروا بهم الحدود.. وهكذا هرب من المخيم أشد مقاتلي تنظيم الدولة تطرفاً وبأقصى سرعة ممكنة، بعد أن علموا بأن المخيم سيصبح بيد الحكومة، وبأن سكانه الذين لا ينتمون لتنظيم الدولة قد ينقلبون ضدهم لينتقموا من السنين التي خضعوا فيها لحكمهم الفعلي ولكن بصورة غير رسمية".

وأضاف مصدر سوري على ذلك بالقول: "قبل بضعة أشهر، ألقينا القبض على صبي يبلغ من العمر 14 عاماً جرى إخراجه هو الآخر من المخيم وكان في طريقه إلى اللاذقية، حيث خطط لتنفيذ هجوم لصالح تنظيم الدولة، لذا فإن هؤلاء الذين فروا من الهول كانوا مشكلة بالأصل قبل وقوع أحداث كانون الثاني الماضي. واليوم، تعقدت الأمور، فأصبح هؤلاء يمثلون خطراً وشيكاً على أمن الشعب السوري، بل حتى على أوروبا، بما أن بعضهم عبر الحدود ليصل إليها".

يفتقر من ظلوا في المخيم إلى الإمكانيات المادية أو القدرة البدنية التي تساعدهم على الهروب، ولهذا فإن أغلب من يراهم المرء في مخيم أخترين هم نساء ورجال طاعنون في السن، وأشخاص يعانون من إعاقات، وأطفال صغار مع أمهاتهم، ونازحون بسبب محاربة تنظيم الدولة قبل سنين. ولقد أخبرنا هؤلاء بأنهم ظلوا في المخيم لأن احتمال حصولهم على حماية من الجيش ونقلهم إلى مخيم جديد بدا أكثر أماناً من أن يجدوا أنفسهم فجأة في ريف شمال شرقي سوريا من دون موارد، وغالباً من دون وجهة يقصدونها.

وهذا المخيم الجديد المقام في بلدة أخترين التي تبعد مسافة ساعة بالسيارة عن شمالي حلب، لا يشبه مخيم الهول في شيء، إذ فيه مساكن مبنية، ومساحته متوسطة، ولا أثر فيه للقذارة والعنف والفساد المستشري الذي كان يغذي عمليات الاتجار بالبشر والعبور السرية التي كانت تتم في ذلك المخيم.

تحدثنا عن المخيم حليمة، وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها، فتقول: "هنا يختلف الحرس تمام الاختلاف عن حراس الهول" وذلك بعد أن تبادلت بضع كلمات مع عنصرين من الأمن العام اللذين أبلغاها عن الخدمات التي ستتوفر في المخيم، وعلى رأسها محل بقالة، وصيدلية، ومدارس، ولهذا تابعت قائلة: "كانوا يذلوننا طوال الوقت هناك".

في حين تتذكر رنا حياتها في ذلك المخيم، فتقول: "كانوا يقتحمون خيامنا عند الفجر كل ستة أشهر، فيخرجوننا منها عنوة ويتركوننا ننتظر في الصحراء كل النهار، وكانوا يقولون لنا إنهم يفعلون ذلك ليفتشوا خيامنا، لكنهم في الواقع كانوا يضعون الأسلحة تحت الخيام، أو في حفر يحفرونها داخلها، ثم يصورونها لينشروها على وسائل التواصل الاجتماعي، فكان ذلك يبيح لهم وصفنا بالخطرين".

تؤكد حليمة ذلك بقولها فتقول: "كنا نرى تلك الصور على الإنترنت ونقول: ياللعار!"

أكدت لنا حليمة بأنها كانت تبتعد قدر الإمكان عن نساء المخيم اللواتي ينشرن أفكاراً جهادية، وتتابع قائلة: "كنا عندما نعود إلى بيوتنا نكتشف بأن كل شيء فيها قد قلب رأساً على عقب، أو تعرض للكسر، كما كانوا في كل مرة يسرقون من أموالنا ومتعلقاتنا".

كانت عناصر تنظيم الدولة تثير الرعب داخل المخيم أكثر من القوات الكردية حتى. فقد كان التخويف والتعذيب وتصفية الحسابات والإعدامات والمداهمات التي تحدثت عنها رنا وحليمة تفوق كل عمليات مكافحة الإرهاب التي كانت تهدف إلى الحد من سيطرة تنظيم الدولة على المخيم. فقد كان لهذا التنظيم الجهادي محاكمه الخاصة، وجهاز حسبة خاص به، وشرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تفرض قوانين مشددة وعقوبات دموية. أما الأطفال فقد جرى تدجينهم عقائدياً، وتلقوا تدريبات ليصبحوا الجيل القادم من "أشبال الخلافة" سواء بموافقة أهاليهم أو بعدمها.

تحدثنا عن ذلك نورا وهي امرأة في الثلاثينيات من عمرها، فتقول: "سمعنا قصصاً مرعبة، ولذلك ابتعدنا عن تلك النسوة، وبقيت مع بضعة نسوة أعرفهن منذ سبع سنوات، فلم أكن أتحدث لامرأة سواهن، كما كنت أبقي أولادي بقربي، لأن أي كلمة قد تصدر بالخطأ يمكن أن تتسبب بقتلنا".

ولكن بالنسبة للأطفال "كان المخيم هو البيت ويمثل الوضع الطبيعي المعتاد" كما أخبرتنا نورا وهي تخلل بأصابعها شعر ابنتها الصغيرة استبرق التي تبلغ من العمر عاماً ونصف، وأضافت: "كانوا يظنون بأن المخيم بلدهم"، وعالمهم هذا الذي كان أشبه بالجحيم، حرموا منه فجأة، وبات عليهم التأقلم مع هذه البيئة الجديدة الأنظف والأهدأ والأجدب أيضاً.

تقول الطفلة ماريا هامسة: "اشتقت لخميس" وخميس هو اسم القسم الذي عاشت فيه، وتتابع هالة البالغة من العمر سبعة أعوام، فتقول: "هنا لا يوجد شيء في الخيام، أما هناك فقد كانت الخيام مزينة، إذ كانت لدينا أزهار"، أي تلك الأزهار الورقية التي صنعوها بأيديهم.

كان العالم الخارجي بالنسبة لهم فكرة نظرية غير ملموسة، بل إن بعضهم لم يستطع تخيلها، فقد دهشت سلسبيل البالغة من العمر سبعة أعوام عند رؤيتها سيارات لأول مرة في حياتها، وتبتسم آلاء التي تبلغ من العمر تسعة أعوام وهي تقول: "أكثر شيء أعجبني في الرحلة رؤية الأشجار"، كونها لم تر أي شجرة قبل ذلك، كما أن معظم الأطفال المحيطين بها ولدوا في مخيم الهول أو وصلوا إليه وهم صغار جداً، وقد لاحظت ماريا ذات الثلاث أعوام الفرق فقالت: "الجدران صلبة هنا"، إذ لم تكن تعرف قبل هذا المخيم سوى الخيام التي تعصف بها الرياح وتضربها الأمطار.

كانت معرفتهم بالعالم الخارجي ضئيلة، إذ في المدرسة، "كانت المعلمة تشغل لهم فيديو على أحد الهواتف وتغادر" حسبما ذكرت حليمة، وتضيف رنا والدة ماريا التي وصلت إلى أخترين برفقة زوجها وأولادها الأربعة، فتقول: "هذا صحيح، إذ لا يجيد أحد من أولادي القراءة". غير أن مدير المخيم، إسماعيل زينو، أكد بأنهم سيفتتحون عدة مدارس في هذا المخيم.

إلا أن الأهالي غير مجبرين على المكوث في المخيم إلى أجل غير مسمى، ففي غضون شهر، سيصبح لديهم مطلق الحرية بمغادرته، ويشرح المدير الوضع بقوله: "لن يبقى في هذا المخيم سوى من يرغب بذلك أو من ليس لديه مكان يذهب إليه"، بيد أن معظم العائلات النازحة التي أجرينا معها مقابلات ذكرت أن أقاربها أنفسهم يعيشون في مخيمات أخرى للنازحين.

دعتنا رنا لزيارة بيتها المؤلف من مدخل، وغرفة نوم وحمام، كغيره من البيوت هناك. وعندما رفعت هبة ريح أطراف نقابها، ارتدت إلى داخل البيت، وتوقفت وكأنها تصغي لأحد، ثم ابتسمت وقالت: "لا صوت للريح هنا"، إذ لأول مرة منذ سبع سنين، أصبح لديها ما يحميها من قسوة العوامل الجوية.

على الرغم من الأمان والراحة النسبية، تخبرنا هذه الثلاثينية أن قلبها مثقل بالاشتياق لابنها عبد الرزاق البالغ من العمر 13 عاماً والبعيد عن بقية الأسرة، لأنه عندما هرع الحشد نحو بوابات الهول بنهاية شهر كانون الثاني، مستغلين الفوضى الحاصلة، رغب عبد الرزاق بالهرب هو أيضاً، وقد شجعه أبواه على ذلك، إذ أخبرنا أبوه أحمد بأنهم لم يكونوا على دراية بما يحدث، وأضاف: "لم يدرك أحد الوضع، وبما أن لدينا ستة أولاد، أردت أن أخفف العبء علينا داخل المخيم"، كما أن زوجته الثانية وافقت على اصطحابه معها هي وابنتها إلى مدينة حلب، حيث يعيش أهلها، ولهذا لم يجتمع شمل عبد الرزاق مع أهله حتى الآن.

ما بين ليلة وضحاها، انقطعت صلات عبد الرزاق مع كل شيء يعرفه، إذ تقول رنا: "كان ينام بين ذراعي كل ليلة، فكيف ينام الآن؟" وفي رسالة صوتية أرسلت عبر واتساب، نسمع الصبي وهو يطلب التحدث إلى أمه، ويقول إنه اشتاق لأهله ويريد أن يلحق بهم، وفي بعض المواضع من تلك الرسالة ينهار باكياً.

يحدثنا أحمد عن الوضع فيقول: "أخبرونا بأننا سنبقى في هذا المخيم لأسبوع فقط، لكنهم صاروا يتحدثون الآن عن مدة شهر"، وحتى الآن لم ترشح أي معلومات رسمية حول مصير هؤلاء النازحين، إذ ذكر المسؤولون عن المخيم أن جميع ساكنيه سيسمح لهم قريباً بالرحيل عنه في حال وجود كفيل لهم، وفي ظل غموض الأمور، قرر هذا الرجل الخمسيني إقناع الحرس بالسماح لابنه بدخول المخيم.

ولدى سؤالهم عن وجهتهم القادمة، أجابت رنا: "إلى بيت أهلي بعفرين"، أي إلى مخيم آخر لكنه خال من الأسلاك الشائكة، ولفترة مؤقتة أيضاً، أما أحمد فقد فتح ذراعيه وأشار إلى العالم من حوله وهو يهتف قائلاً: "أصبحت كل سوريا لنا الآن".



المصدر: Le Figaro

عدد المشاهدات: 16352
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة