الاخبار المحلية > ما الدروس التي يمكن أن تفيد سوريا عبر تجربة العراق مع التعويضات؟
2026-04-02
شرعت سوريا في وضع أسس للعدالة الانتقالية، حيث أنشأت بموجب مرسوم "هيئة العدالة الانتقالية" و"هيئة المفقودين". وتمثل هذه الخطوات نقطة انطلاق مهمة، بما أن التعويضات لابد أن يكون لها دور محوري، سواء في جبر الضرر أو في إظهار كيفية استجابة الدولة للضحايا وعائلاتهم. ومع ذلك، ولكي تسهم الدولة الجديدة في استعادة الثقة، يتعين عليها وضع برنامج دقيق للتعويضات، على أن يتم ذلك من خلال عملية واضحة، يسهل الوصول إليها، كما يجب أن تكون نزيهة، وأن تضع احتياجات الناجين والناجيات في المقام الأول.
وهنالك عدة مسائل عملية تتطلب اهتماماً خاصاً، وعلى رأسها: الشفافية في اتخاذ القرار، ووضع معايير استحقاق واضحة وشاملة، وتوفير قدرات إدارية وتقنية كافية لدعم من تعرضوا لتجارب صادمة، وضمان وصول فعّال للسوريين في المناطق النائية أو المقيمين في الخارج. كما سيكون من الضروري التشاور مع المجتمعات المتضررة، بما في ذلك الناجون والناجيات من الانتهاكات الجسيمة، وكذلك مع منظمات المجتمع المدني التي تدعمهم.
وفي هذا السياق، يمكن لسوريا أن تستفيد من تجربة دولة العراق المجاورة، إذ ماتزال العدالة الانتقالية في سوريا في مرحلة مبكرة، مع محدودية في الشفافية وضعف في التشاور مع الناجين والناجيات. وقد عانى العراقيون لعقود من انتهاكات جسيمة ارتكبتها الدولة وكذلك جماعات مسلحة غير حكومية. وعلى عكس سوريا، نفّذ العراق بالفعل عدة برامج للتعويض، شملت الناجين من الجرائم المرتبطة بالإرهاب، والانتهاكات العسكرية، والأسر لدى تنظيم الدولة، والجرائم التي ارتكبها نظام صدام حسين السابق.
وكما أظهرت التجربة العراقية، فإن نجاح برامج التعويض لا يُقاس فقط بنتائجها أو أعداد المستفيدين منها، بل أيضاً بتجارب الناجين خلال مراحل تقديم الطلب والتنفيذ. فمن خلال التركيز على نصّ قانون الناجيات الإيزيديات وآليات تطبيقه، وهو برنامج تعويض أُقرّ في العراق عقب الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم الدولة بحق المجتمع الإيزيدي، يمكن لسوريا أن تستخلص دروساً مفيدة.
يُعد إقرار قانون الناجيات الإيزيديات إنجازًا لافتًا، إذ يمثل أول قانون للتعويضات أتى كرد على العنف الجنساني في العراق ومنطقة الشرق الأوسط. ويركّز هذا القانون على الناجيات من الاختطاف، والعنف الجسدي والنفسي والجنسي والعنف الجنساني، إضافة للتركيز على ضحايا القتل الجماعي. ولا يقتصر نطاقه على النساء والفتيات الإيزيديات، بل يشمل أيضًا الفتيان الإيزيديين الذين اختُطفوا وهم قُصّر، وكذلك النساء والفتيات من مجتمعات الشبك والتركمان والمسيحيين اللواتي تعرضن للاختطاف. وأخيراً، يطبق القانون على الضحايا من الذكور والإناث من هذه المجتمعات الأربعة الذين نجوا من الإعدامات الجماعية.
تشمل التعويضات الفردية بموجب القانون دفع مخصصات مالية شهرية، ومنح قطع أرض، وإتاحة الوصول إلى خدمات الصحة النفسية وفرص التعليم. كما يعترف القانون بالجرائم المرتكبة بحق هذه المجتمعات، بما في ذلك الإبادة الجماعية، ويُلزم الدولة العراقية بالبحث عن المفقودين واستخراج الجثث من جميع المقابر الجماعية المتبقية.
وقد أنشأ القانون نظاماً إدارياً للتعويضات تُشرف على تنفيذه المديرية العامة لشؤون الناجين التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية. كما أُنشئت لجنة مكوّنة من ثمانية أعضاء للنظر في الطلبات والبت في الطعون من الدرجة الأولى، إلى جانب تمتعها بصلاحية إجراء مقابلات مع الناجيات عند الحاجة.
في بداياته، تميّز هذا النظام بإجراءات محدودة ومعايير إثبات مرنة، بما يتيح للناجيات الوصول إلى التعويضات خارج إطار الإجراءات القضائية. وبحكم الطابع الإداري للبرنامج، أصبح بإمكان الناجيات تقديم أي أدلة متاحة لديهن، إذ لم يكن مطلوبًا منهن رفع شكوى جنائية للحصول على التعويض. كما تضمّن القانون أحكامًا تتعلق بالسرية، تمنع المديرية العامة لشؤون الناجين والجهات الحكومية الأخرى من مشاركة معلومات الناجيات بلا إذن منهن.
وبما أن معظم الناجيات الإيزيديات روين قصصهن مرات كثيرة أمام الصحفيين والمنظمات غير الحكومية والمحققين، فقد اعتُبرت إفاداتهن لدى هذه الجهات المعروفة أدلة دامغة تُمكّنهن من الحصول على التعويض من دون الحاجة إلى إجراء مزيد من المقابلات . ومع بقاء معظم الناجين في حالة نزوح داخل إقليم كردستان العراق، صارت عملية تقديم طلب للحصول على تعويض تتطلب السفر إلى مكاتب المديرية في الموصل أو في مكتب فرعي أُنشئ لاحقًا في سنجار. ثم أُطلق نظام تقديم إلكتروني أتاح للناجين التقدم بطلباتهم من داخل العراق ومن خارجه.
لا تنشر المديرية العامة لشؤون الناجين أي معلومات حول عدد المتقدمين أو الطعون أو الطلبات المرفوضة، لكن حتى اليوم، أفادت بأن اللجنة قد اعتمدت 2,496 شخصًا كناجين يحصلون على تعويض مالي شهري. بالإضافة إلى ذلك، تعاونت المديرية مع المنظمات غير الحكومية لتقديم خدمات الصحة النفسية، في حين تعمل الحكومة على إنشاء مركز متخصص في سنجار، وتسعى لتوفير فرص التعليم أمام الناجين والناجيات الذين انقطعوا، مع إعطائهم الأولوية عند التوظيف في القطاع العام. وأخيراً، تم تنفيذ المرحلة الأولى من توزيع الأراضي، حيث صدر 262 سند ملكية سكنية للناجين والناجيات، ويقضي هذا القانون باتخاذ إجراءات يتم من خلالها تخليد ذكرى الضحايا، والبحث عن المفقودين، وفتح المقابر الجماعية، ودعم عمليات جمع الأدلة والسعي لتحقيق العدالة.
وتُعد هذه الإنجازات مهمة وهي تحتاج إلى تنسيق مع مختلف الجهات الحكومية الفدرالية والمحلية. فقد غيرت التعويضات المالية حياة الناجين والناجيات، إذ مكنتهم من إعادة بناء حياتهم، ومغادرة مخيمات النزوح في بعض الأحيان، وذلك بعد أن أمضوا عشر سنوات كاملة من العيش في ظروف غير مستقرة. وبالنسبة لكثيرين منهم، كانت تلك هي المرة الأولى التي تعترف فيها الدولة العراقية بالضرر الذي تعرضوا له، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.
وفي الوقت نفسه، اتسمت هذه العملية بالصعوبة في معظم الأحيان بالنسبة للناجين والناجيات الذين عانوا من صدمات شديدة، فتعرضوا في معظم الأحيان إلى فضيحة ووصمة اجتماعية داخل مجتمعاتهم. ويكتسب هذا الأمر أهمية لأن الهدف من التعويضات ليس فقط تقديم تعويض عن الجرائم، بل أيضًا إصلاح العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وإشعار الناجين بأن الأذى الذي تعرضوا له معترف به ولن يتكرر.
لقد قدم قانون الناجيات الإيزيديات إطاراً جديداً للتعويضات، لكن الضعف في صياغته وتنفيذه حدّا من قدرة الناجيات على الوصول إليه ووهذا ما دمر نهجه الذي يضع الناجيات في صلب الاهتمام.
أسفرت صياغة قانون الناجيات الإيزيديات عن ظهور ثلاث مشكلات جوهرية خلقت صعوبات كبيرة أمام بعض الناجيات، إذ أولاً، أتت صياغة القانون كرد على الجرائم التي ارتكبت ضد النساء والفتيات الإيزيديات، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى عدد الضحايا، وفداحة الأضرار، وحملة الإبادة الجماعية التي شنّها تنظيم الدولة ضد المجتمع الإيزيدي. ومع ذلك، شمل القانون أيضاً النساء والفتيات من مجتمعات الشبك والتركمان والمسيحيين. وللتأهل للتعويضات بموجب القانون، بات على المتقدمات إثبات اختطافهن على يد تنظيم الدولة في يوم 3 آب 2014 وما بعده، بما أن هذا التاريخ يمثل اليوم الذي هاجم فيه التنظيم مدن وبلدات منطقة سنجار في سهول نينوى.
لكن تنظيم الدولة هاجم المجتمعات الأخرى قبل هذا التاريخ. ونتيجة لذلك، أصبح على تلك الناجيات إثبات أنهن بقين محتجزات حتى 3 آب حتى يصبح من حقهن الحصول على تعويض، أي أن تعرض امرأة من التركمان أو الشبك أو المسيحيين للاختطاف ثم الإفراج عنها قبل 3 آب، يجعل منها غير مؤهلة للحصول على تعويض، بغض النظر عن الضرر الذي تعرضت له. وبالنسبة لهذه المجتمعات التي واجهت أنماطًا مختلفة من الاستهداف، يبقى المصطلح الأساسي غير المحدد هو "الاختطاف"، ما تسبب بظهور تأويلات مختلفة حول اختطاف الناجية على يد تنظيم الدولة أم سواه.
أما التحدي الآخر فتمثل بتحديد الأضرار التي لابد من إثباتها للحصول على تعويض بموجب المادة 1 من القانون، والتي تشمل الاختطاف، والعنف الجنسي، والفصل عن الأسرة، والإجبار على تغيير الدين، والأضرار الجسدية والنفسية. ونظراً للفكرة التي انتشرت بشكل واسع حول تعرض كثير من الإيزيديات للعنف الجنسي، بات من المتوقع في معظم الأحيان أن تقدم المرأة أدلة تثبت تكبدها لأضرار متعددة. وعلى الرغم من أن القانون لا يشترط إثبات الاغتصاب، إلا أن هذا السؤال ظهر بشكل متكرر خلال عملية التقديم، لا سيما بالنسبة للمتقدمات الصغيرات في السن. وكان الضغط على النساء للإفصاح عن الاغتصاب أمرًا صادمًا وشكل وصمة اجتماعية في الوقت نفسه.
أخيرًا، ظهرت فكرة مشوشة حول الفتيات المؤهلات للحصول على التعويض في مجتمعات الشبك والمسيحيين والتركمان، إذ يستخدم القانون عدة مصطلحات لتوصف الناجيات المؤهلات، وتتضمن تلك المصطلحات: "النساء"، و"الطفلات"، و"الفتيات المراهقات". وفي الوقت الذي أورد القانون الطفلات الإيزيديات بشكل صريح، أشار إلى الناجيات من المجتمعات الأخرى بوصفهن "فتيات مراهقات". وهذه الفروق في الصياغة أدت فعلياً إلى استبعاد الفتيات دون سن السادسة عشرة من مجتمعات الشبك والتركمان والمسيحيين، على الرغم من أنهن تعرضن للأضرار نفسها التي تعرضت لها بقية الطفلات. وبما أن القانون لم يعرف تلك المصطلحات، فقد ترك التفسير للجنة المسؤولة عن مراجعة الطلبات. وفي الممارسة العملية، طبقت اللجنة أشد التفسيرات تقييدًا بالنسبة لهذه المصطلحات، فأقصت الفتيات من مجتمعات الشبك والمسيحيين والتركمان. ونتيجة لذلك، مرت بعض الفتيات الصغيرات بعملية صعبة ليكتشفن في النهاية أنهن غير مؤهلات للحصول على تعويض.
تعرض البرنامج لانتكاسة كبيرة بعد شهرين من بدء تنفيذه، وذلك عندما اشترطت اللجنة على جميع المتقدمات إثبات تقديمهن لشكوى جنائية في مكان اختطافهن، مع إثبات الانتهاء من التحقيق. وقد وضع هذا الشرط بغض النظر عما إذا كانت الناجيات يعرفن هوية الجناة أو ما إذا كان الجناة موجودين في العراق، موقوفين فيه أم لا، أحياء أم أموات. وعلى الرغم من أن القانون لم ينص على ذلك، فإن رئيس اللجنة السابقة جعل هذا الشرط إلزامياً كإجراء احترازي ضد الاحتيال، مما غيّر فعلياً الطابع الإداري لبرنامج التعويضات.
من الناحية العملية، فحتى يحق للناجية تقديم شكوى جنائية، يتعين عليها التعامل مع عدة جهات حكومية خلال عملية العدالة الجنائية، من بينها الشرطة والمحققين القضائيين وضباط الأمن والاستخبارات، وكل هؤلاء مخوّلون بإجراء مقابلاتهم الخاصة حسب ما يرونه مناسباً، ومع قدرة كل منهم في التأثير على نتيجة قضية الناجية، وذلك من خلال تعطيل العملية أو إصدار قرار سلبي بحقها.
وبما أن التحقيقات الجنائية تُجرى بشكل شخصي، ترتب على الناجيات العودة إلى المكان الفعلي الذي اختطفهن فيه تنظيم الدولة، حتى تجرى لهم مقابلة هناك على يد الشرطة وقاضي تحقيق. أي أن هذه الإجراءات فرضت على الناجيات العودة إلى مناطق تعيد إحساسهم بالصدمة النفسية، بما أن شعور عدم الأمان ينتابهن في ذلك المكان بسبب احتمال وجود عناصر مؤيدة لتنظيم الدولة فيه.
وخلال المقابلات، يترتب على الناجيات الإجابة عن مجموعة جديدة من الأسئلة المتعلقة بالعنف الجنسي، من دون أي تدريب على كيفية التعامل مع الحساسية الشديدة لهذه القضية. وكجزء من عملية التحقيق، كان المسؤولون الحكوميون، ولا سيما الشرطة وقضاة التحقيق، يطرحون الأسئلة في قاعات المحاكم بحضور الجمهور وموظفي الحكومة، وأحيانًا عندما تكون الأبواب مفتوحة، أو بحضور محامين يعملون على قضايا أخرى. وقد عرض هذا الناجيات للوصمة الاجتماعية، والإحساس بالصدمة من جديد، مع تضرر أهاليهن ومجتمعاتهن.
ثم إن عملية التحقيق الجنائي في العراق تفرض من الناجيات تقديم شاهدين قادرين على الشهادة بحيث يشهدان على اختطافهن أو أنهم رأوا الناجيات عندما كن أسيرات. وهذا الشرط قضى على أحكام السرية في القانون، فقد اضطرت الناجيات إلى إشراك آخرين لتأكيد ادعاءاتهن. ومع مرور الوقت، أبلغت الناجيات بأن الشهود يجب أن يكونوا "معتمدين" من اللجنة أيضاً، وهذا ما قلص عدد الشهود المؤهلين لتقديم شهادتهم.
أضحى ذلك تحدياً كبيراً بالنسبة للناجيات اللواتي ينتمين لأقليات ومجتمعات صغيرة، وكذلك للواتي يعشن في المنفى، مع عدم توفر شهود في معظم الأحيان. كما اضطرت الناجيات اللواتي صادقت اللجنة على وضعهن، وقدمن شكاواهن وشهاداتهن، إلى العودة إلى المحاكم ومخافر الشرطة، ليدلين بشهادتهن مرة أخرى أمام أشخاص آخرين، مما جعلهن يعشن تلك التجارب الصادمة مرة أخرى. ناهيك عن أن الناجيات يتحملن عبئًا كبيرًا عند السفر، ودفع نفقات إضافية، إلى جانب تعرضهن لمصاعب لوجستية، والأهم من ذلك، مواجهة حالة التوتر والتشكيك إزاء عملية تتغير على الدوام وتجاه شروط جديدة مع غياب الشفافية. وفي معظم الأحيان اضطرت الناجيات المقيمات في العراق للسفر إلى المخيمات في إقليم كردستان أو الموصل أو سنجار عدة مرات وعلى نفقتهن الخاصة، وذلك حتى يأتين بأطفالهن من أن رفع قضايا منفصلة عن قضاياهن. في حين عادت أخريات من خارج البلد، سواء من أوروبا أو أستراليا أو كندا أو الولايات المتحدة، وتحملن مبالغ طائلة من أجل السفر.
وعلى الرغم من عدم إلغاء شرط التقدم بشكوى جنائية، فقد بدأت المديرية العامة لشؤون الناجين بعد أكثر من ثلاث سنوات من اعتماد القانون، برنامجًا تجريبيًا يسمح للناجيات المقيمات في الخارج بالتقديم من خلال السفارات العراقية في عدة دول أوروبية، مما خفّض وبشكل كبير العوائق المالية واللوجستية والنفسية. فأصبح هذا النظام للتقديم عن بُعد خطوة أساسية لضمان إتاحة التعويضات لمزيد من الناجيات.
تشترط المعايير الدولية أن تكون التعويضات كافية وفعّالة وأن تقدم في الوقت المناسب، من دون أن تسبب أي وصمة أو ضرر إضافي، كما يجب أن تُقدّم من خلال عمليات تتمحور حول الناجين، ويسهل الوصول إليها، ويجب أن يرافقها نشر معلومات معلومات واضحة وتوفير مساعدة قانونية. وتسلّط تجربة تنفيذ قانون الناجيات الإيزيديات الضوء على عدة دروس يمكن أن يستفيد منها واضعو السياسات والفاعلون في المجتمع المدني السوري عند النظر في آليات التعويض المستقبلية.