الاخبار المحلية > إعادة إعمار سوريا.. لماذا تراهن أوروبا على بناء المؤسسات أولاً؟
2026-05-15
نادراً ما تحظى اتفاقيات مضى عليها نصف قرن باهتمام واسع، لكن إعادة التفعيل الكامل لاتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا الموقعة في عام 1977، والتي دخلت حيز التنفيذ مجدداً في 11 أيار الجاري لم تكن مجرد خطوة قانونية شكلية، إذ مع إنهاء التعليق الجزئي الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على الاتفاقية عقب قمع نظام الأسد للاحتجاجات الشعبية في عام 2011، وجه مجلس الاتحاد الأوروبي إشارة واضحة إلى انتقال بروكسل من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة الانخراط المنظم مع سوريا ما بعد الأسد.
وفي اليوم نفسه، استضافت بروكسل "منتدى تنسيق الشراكة مع سوريا" وأول حوار سياسي رفيع المستوى بين الجانبين، في مؤشر على بداية مرحلة جديدة في العلاقات الأوروبية السورية.
لكن الدور الحقيقي للاتحاد الأوروبي، وفق مراقبين، لن يُقاس بحجم الأموال التي سيضخها أو الاتفاقيات التي سيعيد تفعيلها، بل بالقواعد والمؤسسات التي ستحدد شكل إعادة إعمار سوريا ومستقبلها السياسي والاقتصادي.
رغم الأهمية السياسية لإعادة تفعيل الاتفاقية، فإنه لا تجوز المبالغة في تأثيرها الاقتصادي. فقد كانت الاتفاقية تمثل الإطار الأساسي للعلاقات بين الجانبين حتى عام 2011، قبل أن تؤدي العقوبات والحرب إلى تفريغها من مضمونها، حيث انخفض حجم التجارة بين الطرفين من ما يزيد على 7 مليارات يورو في عام 2010 إلى نحو 368 مليون يورو فقط في عام 2024.
ويرى محللون أن إعادة تفعيل الاتفاقية تحمل دلالة سياسية بالدرجة الأولى، لكنها لن تكون كافية لإحياء العلاقات الاقتصادية ما دامت سوريا تعاني من الفساد وضعف القضاء وتدهور البنية التحتية وانقطاع الكهرباء وغياب بيئة تنظيمية واضحة أمام المستثمرين.
تعكس الوتيرة الحذرة للانفتاح الأوروبي هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا. فالسلطات الجديدة لا تزال تعاني من نقص في الكوادر الإدارية والخبرات التقنية، في حين انصبّ تركيزها خلال المرحلة الأولى على تثبيت الأمن والحصول على اعتراف الدولي ودعم الخارجي.
كما تواجه البلاد تحديات أخرى، من بينها ديون روسيا وإيران، وضعف الوضع المالي عموماً، ودمار البنية التحتية، والتنازع على النفوذ المحلي، وكل تلك الأمور تعقد عملية إعادة الإعمار، ولهذا فالمطلوب من سوريا اليوم أن تستوعب فكرة الدعم الدولي الموجه لإعادة الإعمار قبل أن تتمكن من إعادة بناء مؤسسات الدولة القادرة على إدارة هذا الدعم.
قدر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يفوق بكثير قدرات التمويل الأوروبية الحالية. فقد خصص الاتحاد الأوروبي حزمة تعافٍ اقتصادي واجتماعي بقيمة 175 مليون يورو، مع توقعات بتقديم 280 مليون يورو إضافية بين عامي 2026 و2027.
وبسبب هذه الفجوة الهائلة، تبدو الاستثمارات الخليجية والإقليمية ضرورية، ولهذا وفي أثناء اجتماع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بمسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل، استضافت دمشق أول منتدى استثماري سوري-إماراتي، في حين وقعت السعودية اتفاقيات مع الحكومة السورية بمليارات الدولارات في شباط الماضي.
غير أن كثيراً من هذه المشاريع مايزال ضمن إطار مذكرات التفاهم، كما أن استمرار التوتر الإقليمي قد يحدّ من استعداد دول الخليج لضخ استثمارات طويلة الأجل في سوريا.
لكن المشكلة لا تتعلق بالأموال فقط، وإنما بقدرة المؤسسات السورية على إدارة هذه التدفقات المالية. فمن دون قوانين واضحة للمناقصات وفي ظل غياب الشفافية والرقابة ومنع الاحتكار، قد تؤدي موجة الاستثمارات الجديدة إلى إعادة إنتاج شبكات الفساد والمحسوبية التي أسهمت في انهيار الدولة سابقاً.
وفي هذا السياق، اعتبر مراقبون أن تأكيد الشيباني خلال زيارته إلى بروكسل على إصلاح بيئة الأعمال وتحديث قوانين الاستثمار يمثل خطوة مهمة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الوعود إلى إجراءات شفافة ومؤسسات فعالة.
رغم عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على منافسة النفوذ المالي الخليجي، أو القرب الجغرافي التركي، أو أدوات الضغط الأميركية، فإنه يمتلك ميزة مختلفة تتمثل في قدرته على المساهمة في بناء المؤسسات.
ويشمل ذلك دعم الإدارة العامة، والإصلاح القضائي، ومكافحة الفساد، وتعزيز الحكم المحلي، ودعم المجتمع المدني، ووضع معايير تنظيمية واضحة لعملية إعادة الإعمار.
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع "مركز المساعدة التقنية" الذي أعلن عنه الاتحاد الأوروبي بقيمة 15 مليون يورو، باعتباره خطوة قد تتجاوز أهميتها حجم التمويل المخصص له، إذا تحول إلى منصة تنسيق فعالة بين الجهات المانحة والخبرات الأوروبية والاحتياجات السورية.
ويرى الخبراء بأن نجاح هذا المركز يتطلب أيضاً إشراك المانحين غير الأوروبيين، خصوصاً دول الخليج، نظراً لحاجة إعادة الإعمار في سوريا إلى تنسيق دولي واسع يتجاوز بروكسل.
لا يقاس نجاح إعادة الإعمار بعدد المؤتمرات والاتفاقيات، بل بمدى تحسن الحياة اليومية للشعب السوري، من حيث الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليم وفرص العمل.
بيد أن الاحتياجات الإنسانية ماتزال هائلة، في ظل أزمة الغذاء والسكن والرعاية الصحية، إلى جانب التحديات التي تواجه العائدين، مثل فقدان الوثائق الرسمية، والنزاعات العقارية، والألغام، وضعف فرص العمل.
عاد نحو 1.12 مليون شخص إلى سوريا، معظمهم من تركيا ولبنان والأردن، منذ كانون الأول 2024، وحتى كانون الثاني 2026، في حين بقي قرابة مليون سوري يحملون إقامة قانونية داخل دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى نحو 100 ألف طلب لجوء قيد الدراسة في أوروبا.
ورغم أن ملف الهجرة يشكل دافعاً مباشراً لانخراط أوروبا في الملف السوري، تحذر تقارير من اختزال السياسة الأوروبية تجاه سوريا بقضية إعادة اللاجئين فقط، لأن أي عودة متسرعة أو غير آمنة قد تؤدي إلى موجات عدم استقرار جديدة.
تحاول سوريا اليوم إعادة بناء نفسها وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تشمل علاقاتها مع لبنان وإسرائيل وإيران وروسيا وتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي سجل حضوراً أدنى من بعض هذه الأطراف، فإن نفوذه الحقيقي قد يكمن في مجالات مثل بناء المؤسسات المدنية، ودعم الحوار المجتمعي، وتعزيز الإعلام المستقل، ومواجهة حملات التضليل وخطاب الكراهية.
كما يشير "ميثاق المتوسط الجديد" الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي في نيسان 2026 إلى توجه أوروبي يركز على التعاون المدني والمؤسساتي أكثر من التعاون الأمني المباشر، خاصة في ملفات العدالة والإدارة المحلية والخدمات العامة.
ولهذا ستكون المرحلة المقبلة حاسمة، ليس فقط بالنسبة لسوريا، بل أيضاً بالنسبة لأوروبا نفسها. فسوريا التي يعاد بناؤها عبر صفقات غامضة ومؤسسات ضعيفة قد تتحول مجدداً إلى مصدر لعدم الاستقرار والهجرة والنفوذ الخارجي على حدود أوروبا الجنوبية.
لذلك، يتطلب نجاح عملية إعادة الإعمار بناء مؤسسات شفافة وقضاء مستقلاً وقواعد واضحة لإدارة الأموال والاستثمارات، قبل أن تتحول شبكات النفوذ الجديدة إلى نسخة أخرى من النظام البائد الذي أسقطه الشعب السوري.
المصدر: The European Union Institute for Security Study