الاخبار المحلية > "سرقوا بيوتنا وحياتنا".. إسرائيل تستمر في تهجير أهالي القنيطرة وتدمير ممتلكاتهم
2026-06-16
لم يستطع محمد العلي أن يحتفل بسقوط بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، ففي تلك الليلة التي غمرت فيها أجواء الفرح شوارع المدن السورية مع خروج المدنيين للاحتفال بالتحرير، كان جنود إسرائيليون يقتحمون منزله في قرية الحميدية بريف القنيطرة، قبل أن يأمروه مع عائلته بالمغادرة.
يسترجع العلي، 50 عاماً، ما حدث في تلك الليلة والدموع في عينيه، فيقول لموقع "دروب سايت نيوز" الأميركي: "أعطونا عشر دقائق فقط لنرحل، فلم نأخذ معنا أي شيء، بل تركنا حياتنا كلها خلفنا".
منذ ذلك اليوم حرم العلي من بيته، إذ بعد ستة أشهر على تهجيره قسراً، هدمت إسرائيل منزله مع 15 منزلاً آخر في بلدة الحميدية الواقعة في ريف القنيطرة جنوب غربي سوريا. وبحسب ما ذكره أحد المسؤولين السوريين، فإن السكان ذكروا بأن الجنود الإسرائيليين أخبروهم بأن هذه المنازل "تحجب خطوط الرؤية" عن قاعدة عسكرية أُنشئت حديثاً على أطراف القرية. إلا أن المسؤول رفض هذا التبرير، قائلاً إن: "إسرائيل تستخدم المبررات نفسها في غزة ولبنان".
كان والد العلي هو من بنى ذلك البيت، ولهذا يقول الابن: "كان ذلك البيت يمثل كل حياتي. ففيه وُلد أطفالي وكبروا" وأضاف وهو جالس في منزل أجداده بقرية جباتا الخشب المجاورة:"لقد سرقوا بيوتنا وحياتنا وذكرياتنا".
خلال العام الماضي، أُنشئت القاعدة العسكرية الجديدة على تلة تُشرف على جباتا الخشب، حيث يقيم العلي الآن. وممنوع على السكان الاقتراب منها، فقد ظهرت طائرة مسيّرة إسرائيلية خلال دقائق من قيام الصحفي الذي أعد هذه المادة بتصوير القاعدة.
يذكر أن الجيش الإسرائيلي جرف أكثر من 0.45 كيلومتر مربع (ما يعادل أكثر من 110 فدادين) من الغابات العتيقة التي كانت قائمة في ذلك الموقع. كما مُنع الفلاحون من الوصول إلى حقولهم القريبة، وأفاد سكان محليون بوقوع حوادث صودرت خلالها حيوانات دخلت إلى محيط القاعدة.
تحول هذا الموقع أيضاً إلى نقطة انطلاق للغارات الإسرائيلية على قرية جباتا الخشب. وفي 7 من حزيران، اختُطف خمسة شبان من منزلهم الواقع على أطراف القرية. وأُفيد بأن أربعة منهم أُطلق سراحهم بعد عدة ساعات من الاستجواب، بينما لا يزال مصير الخامس مجهولاً. وخلص تقرير حديث للأمم المتحدة، استند إلى معلومات قدمتها السلطات السورية، إلى أن إسرائيل اعتقلت ما لا يقل عن 250 سورياً منذ عام 2024، وما يزال 50 منهم محتجزين داخل إسرائيل.
لذلك، يخيّم شبح الاعتقال والسجن في إسرائيل على محافظة القنيطرة، على الرغم من مخالفة تلك الممارسات لأحكام القانون الدولي.
يقول سامر، البالغ من العمر 23 عاماً، إنه رافق بالسر صحفياً سورياً إلى سطح مسجد الحميدية حتى يصور القاعدة العسكرية الإسرائيلية القريبة، وذلك في تشرين الأول 2025، وهناك لاحظ أن أحد أهالي المنطقة كان يراقبهما، ثم أجرى مكالمة هاتفية، وقد استخدم سامر هنا اسماً مستعاراً لأسباب أمنية.
وبعد تلك المكالمة، خرجت قافلة عسكرية إسرائيلية من القاعدة متوجهة نحوهما، فتمكن الصحفي من الفرار، في حين ألقي القبض على سامر، وعن تلك اللحظات يقول: " لقد قيد الإسرائيليون يديّ وعصبوا عينيّ، ثم وجهوا سلاحاً إلى رأسي"
استجوبه الجنود لساعات عدة قبل أن يفرجوا عنه في النهاية. ويتحدث عن هذه التجربة بقوله: "أخبروني أنني إن رأيت دورية إسرائيلية في المستقبل فعليّ أن أستدير وأنظر نحو الاتجاه الآخر، لأنهم إن ضبطوني وأنا أنظر إليهم فسيأخذونني إلى الجولان، وهناك سأختفي عن الوجود".
من الناحية القانونية، ما تزال المنطقة الحدودية في الجنوب السوري منطقة عازلة منزوعة السلاح تخضع لمراقبة الأمم المتحدة، فقد أقيمت بموجب اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 التي أنهت الهجمات بين سوريا وإسرائيل. إلا أنه عقب الإطاحة ببشار الأسد في عام 2024، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من جانب واحد عن "انهيار" هذه الاتفاقية، وأمر الجيش الإسرائيلي بالتوغل في محافظة القنيطرة انطلاقاً من الجولان المحتل، التي استولت عليها إسرائيل في عام 1967 ثم ضمّتها إليها في عام 1981، وهي خطوة لا يعترف بها المجتمع الدولي. ومنذ ذلك الحين، عززت إسرائيل احتلالها لأراضٍ سورية عبر إنشاء مواقع جديدة في القنيطرة واحتلال جبل الشيخ. كما شنت سلسلة واسعة من الغارات الجوية التي استهدفت البنية التحتية العسكرية السورية في الأيام التي تلت سقوط الأسد، ما أدى إلى تدمير الإمكانات العسكرية التقليدية للبلد.
يزعم مسؤولون إسرائيليون بأن عملياتهم تستهدف أفراداً مرتبطين بحزب الله وجماعات أخرى تابعة لإيران، من دون أن يقدموا أي دليل يثبت صحة ذلك. وفي نيسان الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن اعتقال خلية يُشتبه بانتمائها إلى حزب الله في القنيطرة، إلى جانب مصادرة منصة صواريخ متنقلة، فكانت تلك أبرز حالة من نوعها.
ومع ذلك، يرفض مسؤولون سوريون المبررات الإسرائيلية للاحتلال، إذ قال أحدهم بعد أن طلب عدم الكشف عن هويته: "إن دخلت بالفعل خلايا تابعة لحزب الله إلى المحافظة، فإن موقفنا واضح لا لبس فيه، إذ تقع على عاتق الحكومة السورية لا على عاتق إسرائيل مسؤولية اعتقالهم ومحاسبتهم". وأضاف: "لا توجد لحزب الله هنا أي حاضنة شعبية، ولذلك فإن معظم عمليات اعتقال أهالي المنطقة لا تقوم على أي أساس".
وعن تلك الأحداث، يقول هائل عبد الله، رئيس بلدية رسم الرواضي، وهي قرية حدودية هدم الجيش الإسرائيلي عدداً من منازلها: "هذه مناطق الثورة، فلماذا نؤوي حزب الله؟، فقد دعم النظام البائد حزب الله وموله لسنوات، ثم تدخل الحزب عام 2013 في الحرب السورية دفاعاً عن بشار الأسد، واليوم يعارض هذا الحزب الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، الذي سعى إلى توطيد علاقاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب".
ويضيف عبد الله أنه في 8 من كانون الأول جمع الجيش الإسرائيلي الأهالي في مدرسة القرية وأمرهم بالرحيل، ويضيف: "قالوا إنهم جاؤوا لتطهير المنطقة من حزب الله، فأجبتهم: لماذا الآن؟ لو جئتم في أي وقت خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية لكنا رحبنا بعملكم، أما الآن فتتدخلون بعد أن انتهى القتال؟"
خلال السنة والنصف الماضية، فرض الجيش الإسرائيلي سيطرته على المنطقة. ورغم أن السوريين يقولون إنهم نادراً ما يشاهدون الجنود الإسرائيليين، كونهم ينشطون عادة في الليل، فإنهم يلمسون حضور الجيش الإسرائيلي على الدوام.
ويتمثل أبلغ حضور بالهدير المستمر للطائرات الحربية الإسرائيلية في السماء، إذ يخبرنا الأهالي بأن إسرائيل تستهدف ممتلكاتهم وعقاراتهم، ما تسبب في تهجيرهم قسراً وهدم بيوتهم، وقد وثّق تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية الشهر الماضي عشرات الحالات من هذا النوع، وخلص إلى أن تدمير المنازل المدنية يستوجب فتح تحقيق لأن تلك الأفعال تمثل جرائم حرب. كما أشار التقرير إلى أن تدمير الممتلكات "سمة مميزة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، والآن في سوريا"
تعقيباً على ذلك، يقول نانار هواش، الباحث البارز في مجموعة الأزمات الدولية: "استولت إسرائيل على سد المنطرة، وجرفت أراضي زراعية، وفرضت حظراً على الرعي، ما جعل الريف غير قابل للحياة أو العمل.. فالفلاح الذي يخسر أرضه يرحل حتى وإن بقي بيته قائماً".
وأوضح بأن: "إسرائيل تطبق نموذج جنوبي لبنان على القنيطرة"، ففي المرحلة الأخيرة من حربها على لبنان، اجتاحت إسرائيل مناطق في الجنوب اللبناني خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وتسببت في تهجير سكان نحو 60 بلدة وقرية قسراً، حيث صنّفتها مناطق محظورة، كما نفذت عمليات هدم ممنهجة وواسعة النطاق لتجمعات سكنية بأكملها.
كانت هالة تقيم مع والدتها بريف دمشق عندما سقط نظام الأسد، ولذلك هرعت من فورها إلى سجن صيدنايا سيئ الصيت بحثاً عن زوجها الذي فُقد منذ عام 2014. أما ابن شقيقها، الذي أرسلته ليتفقد منزلها في القرية (التي طلبت عدم ذكر اسمها)، فقد وجده محتلاً من قبل جنود إسرائيليين.
يوم سقوط الأسد، شعرت هالة وكأنها عاشت تجربة الموت مرتين، مرة حين اكتشفت بأن زوجها لم يكن في السجن، وبالتالي فهو ميت على الأرجح، ومرة أخرى حين علمت بأن الجيش الإسرائيلي استولى على منزلها.
بعد عدة أيام، رجعت إلى قريتها وأخذت تتوسل إلى الجنود حتى يسمحوا لها بأخذ أغراضها، لكنهم لم يعيروها أي اهتمام طوال الفترة التي امتدت لساعات وهي جالسة بالقرب من بيتها، حاملة راية بيضاء حتى لا يطلق أي منهم النار عليها، وتعقب بقولها: "بعد أيام قليلة دمّروا البيت لسبب لم أفهمه".
كان هذا البيت ثالث بيت تعيد هالة بناءه بعد أن دُمّر المنزلان السابقان خلال الحرب. وتعرض من خلال هاتفها صوراً لمطبخ جديد كانت قد ركّبته قبل أسابيع قليلة فقط من تهجيرها، ما دفعها للقول بحسرة: "دفعت 10 ملايين ليرة (حوالي 700 دولار) من أجله، لكني خسرته كله، وأصبحت مضطرة اليوم للعيش من جديد في بيت أهلي، وأعرف بأني أشكل عبئاً عليهم".
بخلاف ما حدث لهالة، منع الخوف العلي من العودة إلى بلدة الحميدية منذ تهجيره، وعن ذلك يقول: "بما أني تحدثتُ إلى الإعلام، فسيعتقلونني إن عدت على الأرجح".
ويقيم العلي حالياً في جباتا الخشب، وهي قرية تقع تحت ظلال هضبة الجولان، التي تعلوها قمم تشبه الدعامات وتنتشر فوقها قواعد عسكرية إسرائيلية.
بعد حرب عام 1967 التي احتلت خلالها إسرائيل الجولان السوري، ثم ضمّتها من جانب واحد في عام 1981، هجرت إسرائيل أعداداً كبيرة من السكان، فأعيد توطين أغلبهم في القنيطرة، بينما بدأت إسرائيل بإقامة مستوطنات.
ما تزال عملية الاستيطان الإسرائيلية في الجولان مستمرة. ففي نيسان 2026، وافقت الحكومة الإسرائيلية على مخططات لتوطين 3000 عائلة مستوطِنة جديدة في المنطقة المحتلة بحلول عام 2030.
رحل أجداد العلي عن هضبة الجولان ولم يتمكنوا من العودة إليها أبداً، ولذلك يخبرنا بأنه لا يريد "تكرار خطأ 1967 مرة أخرى"، ولهذا اختار البقاء في القنيطرة، قرية أجداده، رغم وجود الجيش الإسرائيلي في الجوار.
ويعقب على ذلك بقوله: " هنا وُلدت وهنا سأموت، ولا أريد لنفسي أن أحس بذل الرحيل عن هذه الأرض".
وفي نيسان الماضي، احتل عدد كبير من المستوطنين، التابعين لمجموعة (رواد الباشان)—وهو مصطلح توراتي يشير إلى الجنوب السوري- مبنى في قرية الحضر لعدة ساعات، حيث رددوا يرددون أغانيهم وطالبوا بالاستيطان في القنيطرة، غير أن الجيش الإسرائيلي أخرجهم منها لاحقاً.
وتعليقاً على الحدث، قالت هالة: "إنهم يحاولون تكرار ما فعلوه في الضفة الغربية، فهم يدمرون بيوتنا ويجبروننا على مغادرة أراضينا حتى يتمكنوا من الاستيلاء عليها".