2026-07-30
كشفت هيئة التخطيط والإحصاء السورية، في دراسة جديدة بعنوان "واقع التضخم في سوريا خلال الفترة 2010-2025"، عن قراءة شاملة لمسار التضخم في البلاد على مدى خمسة عشر عامًا، خلصت فيها إلى أن الارتفاع المستمر في الأسعار لم يكن نتيجة عوامل نقدية فقط، وإنما جاء حصيلة تداخل مجموعة واسعة من المتغيرات الاقتصادية.

وفي مقدمتها انهيار سعر صرف الليرة السورية، وتراجع الإنتاج المحلي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إلى جانب سياسات التمويل بالعجز، وتغيرات الدعم والأجور، والصدمات الإقليمية والدولية.

وتقدم الدراسة، الصادرة اليوم الخميس، تحليلًا تفصيليًا لتطور الرقم القياسي لأسعار المستهلك بين عامي 2010 و2025، مع قراءة أولية لاتجاهات عام 2026، معتمدة على بيانات مسح دخل ونفقات الأسرة للأعوام 2008-2009، واعتبار عام 2010 سنة أساس للمقارنة، إضافة إلى تحليل ربعي لتطور الأسعار بهدف رصد الصدمات الاقتصادية قصيرة الأجل بصورة أكثر دقة.

وأكدت الدراسة أن العلاقة بين سعر صرف الليرة السورية والرقم القياسي العام للأسعار بقيت العامل الأكثر ثباتًا وتأثيرًا طوال فترة الدراسة، بينما لعبت مجموعات الغذاء والطاقة والنقل دور القنوات الرئيسية التي انتقلت عبرها الضغوط التضخمية إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.

وأظهرت الدراسة أن هيكل الإنفاق الأسري في سوريا أسهم بصورة مباشرة في تضخم الأسعار، إذ تشكل مجموعة الأغذية والمشروبات غير الكحولية نحو 39.9% من سلة المستهلك، تليها مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 25.54%، ثم النقل بنسبة 7.06%.

وبحسب الدراسة، فإن هذا التوزيع جعل أسعار الغذاء والسكن والطاقة والنقل الأكثر تأثيرًا في معدل التضخم العام، حيث أدى أي ارتفاع في أسعار المحروقات إلى زيادة مباشرة في تكاليف النقل، قبل أن يمتد أثره إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات المختلفة، وهو ما وصفته الدراسة بآلية انتقال قوية للصدمات السعرية داخل الاقتصاد السوري.

وقسمت الدراسة تطور التضخم في سوريا إلى سبع مراحل رئيسية، بدأت بمرحلة التضخم الطبيعي قبل عام 2011، مرورًا بمرحلة صدمة الاقتصاد مع اندلاع الثورة، ثم مرحلة الانهيار الهيكلي للاقتصاد، تلتها فترة استقرار نسبي، وصولًا إلى التضخم المعيشي المركب، ثم تضخم تكاليف المعيشة والطاقة، وأخيرًا مرحلة "التضخم المضطرب" خلال عام 2025.

وترى الدراسة أن الاقتصاد السوري كان يتمتع باستقرار نسبي قبل عام 2011، إلا أن بوادر التضخم بدأت بالظهور مع نهاية ذلك العام بالتزامن مع ارتفاع سعر الصرف وتصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق.

وارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك من 105.043 نقاط في الربع الأول من عام 2011 إلى 111.063 نقطة في الربع الأخير، مسجلًا زيادة تراكمية بلغت 5.73%، في حين ارتفع سعر صرف الدولار من 46.9 ليرة إلى 51.36 ليرة خلال العام نفسه.

وأشارت الدراسة إلى أن الأغذية والمشروبات كانت المحرك الرئيسي للتضخم في تلك المرحلة، بينما بقي تأثير قطاعي النقل والطاقة محدودًا مقارنة بالسنوات اللاحقة.

واعتبرت الدراسة أن عامي 2012 و2013 شكلا نقطة التحول الحقيقية في مسار التضخم السوري، مع انتقال الاقتصاد إلى مرحلة الصدمة المركبة نتيجة تدهور سعر الصرف، وتعطل سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل، إضافة إلى تراجع إنتاج النفط والاعتماد بصورة أكبر على الاستيراد.

وخلال هذه الفترة، ارتفع الرقم القياسي العام للأسعار من 129.27 نقطة مطلع عام 2012 إلى 327.67 نقطة بنهاية عام 2013، بزيادة بلغت أكثر من 153%، بالتزامن مع ارتفاع سعر صرف الدولار من 58.39 ليرة إلى 139.32 ليرة.

وخلصت الدراسة إلى أن التضخم في تلك المرحلة لم يعد ناتجًا عن عامل واحد، بل أصبح مزيجًا من تضخم مستورد عبر سعر الصرف، وتضخم في العرض بسبب نقص السلع، وتضخم في التكاليف نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل، فضلًا عن تضخم التوقعات مع إعادة تسعير السلع والخدمات.

وفي المرحلة الثالثة، ربطت الدراسة التضخم بانكماش النشاط الاقتصادي وتراجع القدرات الإنتاجية واتساع الفجوة بين العرض والطلب، بالتزامن مع استمرار انهيار سعر صرف الليرة.

وأشارت إلى أن خسائر القطاعات الصناعية والزراعية، وتراجع إنتاج النفط والطاقة، وصعوبات التجارة والنقل، دفعت الأسعار إلى الارتفاع بصورة مستمرة، في ظل اعتماد الأسواق بشكل متزايد على السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج الخارجية.

كما حافظت مجموعة الأغذية على موقعها كأكبر مساهم في التضخم، مع تصاعد تأثير السكن والطاقة والنقل مقارنة بالسنوات السابقة.

أما خلال الفترة بين 2017 و2019، فرأت الدراسة أن الاقتصاد شهد تحسنًا محدودًا في النشاط الاقتصادي، لكنه لم ينعكس على انخفاض الأسعار، وإنما أدى فقط إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها.

وأوضحت أن الأسعار بقيت عند مستويات مرتفعة نتيجة استمرار الاختلالات الهيكلية في الإنتاج وسعر الصرف والتجارة الخارجية، مع استمرار الغذاء والطاقة والنقل في قيادة معدلات التضخم.

وأوضحت الدراسة أن الاقتصاد السوري دخل بين عامي 2020 و2021 مرحلة جديدة من التضخم، نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية، أبرزها الأزمة الاقتصادية في لبنان، وجائحة كورونا، وتزايد صعوبات الاستيراد والتحويلات المالية، بالتزامن مع استمرار تراجع قيمة الليرة.

وقالت إن هذه المرحلة شهدت اتساع نطاق التضخم ليشمل قطاعات الصحة والتعليم والاتصالات والمطاعم، إضافة إلى استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل.
تضخم الطاقة بين 2022 و2024

ورأت الدراسة أن السنوات الممتدة بين 2022 و2024 شهدت انتقال التضخم إلى مستوى أكثر تعقيدًا، مع تزامن الضغوط الداخلية مع الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة.

وأضافت أن الزيادات المتكررة في أسعار المحروقات والخدمات انعكست سريعًا على النقل، ومنه إلى أسعار السلع الأساسية، ما أبقى الاقتصاد السوري في حالة تضخم مرتفع ومستدام، رغم تباطؤ وتيرة الارتفاع مقارنة ببعض المراحل السابقة.

وبشأن عام 2025، أشارت الدراسة إلى أن انخفاض الأسعار خلال النصف الأول من العام ارتبط بتحسن الوصول إلى الأسواق، وتراجع بعض الاختناقات في سلاسل التوريد، إضافة إلى تحسن سعر الصرف خلال جزء من السنة.

لكن الدراسة أوضحت أن الربع الأخير شهد عودة واضحة لارتفاع الأسعار، معتبرة أن توصيف عام 2025 باعتباره عامًا لـ"تصحيح سعري قوي أعقبه ارتداد جزئي" أكثر دقة من اعتباره عودة إلى الاستقرار السعري.

وأضافت أن تخفيف بعض العقوبات وزيادة الرواتب والمعاشات بنسبة 200% في حزيران/يونيو 2025 لم يكن كافيًا لتغيير الاتجاه العام للتضخم، بحسب البيانات الفصلية.

وتوقعت الدراسة استمرار الضغوط التضخمية خلال عام 2026، مشيرة إلى أن الحرب الإقليمية الأخيرة أدت إلى ارتفاع سريع في أسعار بعض السلع بنحو 30% خلال فترة قصيرة، نتيجة اضطراب طرق الشحن وسلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

كما ربطت الدراسة هذه التطورات بزيادة الطلب على الدولار، وتراجع التحويلات المالية، الأمر الذي انعكس على سعر صرف الليرة السورية، والذي ارتفع -بحسب الدراسة- من 11,450 ليرة للدولار في الربع الأول إلى نحو 13,200 ليرة لاحقًا، بنسبة تقارب 15%.

وأضافت أن تغيير العملة مع بداية عام 2026 لم ينعكس إيجابًا على التضخم، بينما أسهم ارتفاع سعر الصرف في زيادة أسعار الطاقة والمحروقات، ومن ثم انتقال أثرها إلى مختلف السلع والخدمات، بما أدى إلى امتصاص الزيادة في الرواتب المقررة مع بداية أيار/مايو.

وخلصت هيئة التخطيط والإحصاء إلى أن التضخم في سوريا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2025 مر بتحولات متعاقبة، بدأت بتضخم محدود، قبل أن تتحول إلى موجات حادة، ثم تستقر عند مستويات مرتفعة ذات طابع هيكلي.

وأكدت أن تراجع الإنتاج المحلي، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، إلى جانب تكرار الصدمات الداخلية والخارجية، شكلت المحركات الأساسية للتضخم، في حين بقي سعر صرف الليرة العامل الأكثر ارتباطًا بحركة الأسعار طوال سنوات الدراسة.

عدد المشاهدات: 34411
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة