2026-08-06
متربعاً بين الأحياء الشرقية لمدينة دير الزور، عاد مطار دير الزور إلى الحياة باستقبال أولى رحلاته المدنية، مع وصول رحلتين تقلان مسافرين من دمشق والكويت، في مشهد غاب عن أبناء المحافظة لنحو 15 عاماً.

وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن صوت محركات الطائرة مجرد إعلان عن استئناف الملاحة الجوية، بل اختصاراً لسنوات طويلة من العزلة والسفر عبر طرق شاقة، وبداية لاستعادة صلة المدينة بالعالم.

وعلى أرض المطار، اتجهت أنظار كثيرين إلى السماء التي غابت عنها الرحلات المدنية طوال 15 عاما، لتعود اليوم حاملة أولى الرحلات، من دمشق إلى دير الزور، ثم إقلاع من دير الزور إلى الكويت، تلتها طائرة قادمة من الكويت وطائرة أقلعت إلى دمشق، في حدث تتجاوز أهميته النقل الجوي إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وإنسانية، لا سيما أن الكويت تمثل لأبناء دير الزور أكثر من وجهة سفر، إذ ترتبط بذاكرة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الممتدة عبر عقود.

"هذه ليست رحلة عادية.. هذه رحلة عودة"، يقول أحد أبناء المحافظة الذين استقبلوا أقاربهم القادمين من الكويت، مضيفاً: "هناك عائلات كاملة في دير الزور لها أبناء عاشوا في الكويت لعشرات السنوات. كانت الكويت دائماً مكاناً للعمل والحياة بالنسبة للكثيرين منا".

قبل عودة الطيران، كان الوصول إلى دير الزور يعني غالباً خوض رحلة برية طويلة، خصوصاً عبر الطريق الرابط بين دمشق والمحافظة، وهو الطريق الذي حمل بين الأهالي اسم "طريق الموت".

لم يكن الاسم مرتبطاً فقط بطول المسافة، بل بالظروف التي رافقت السفر، ساعات طويلة خلف مقود السيارات وفي الحافلات، ومخاوف من حوادث أو تأخير قد يحول رحلة عادية إلى تجربة قاسية.

بالنسبة للمرضى، كان الطريق عبئاً مضاعفاً، وللعائلات كان السفر يحتاج إلى استعداد طويل، أما المغتربون القادمون من الخارج فكان عليهم أن يقطعوا مسافات إضافية للوصول إلى مدينتهم.

يقول إسلام الصاهود وهو مرافق لحافلة خط دمشق - دير الزور، لموقع سوريا اكسبو "كنا نرى التعب في وجوه الناس قبل أن تبدأ الرحلة. كثيرون كانوا يسافرون للضرورة فقط، لأن الطريق كان يستنزف الوقت والمال والقدرة على الاحتمال".

اليوم، يأتي المطار ليقدم بديلاً عن تلك الرحلة، ويختصر ساعات طويلة إلى زمن أقصر، لكنه يحمل أيضاً سؤالاً أكبر: هل يمكن أن يكون افتتاح المطار بداية عودة دير الزور إلى موقعها الطبيعي؟

اختيار الكويت كإحدى أولى الوجهات الدولية لمطار دير الزور لم يكن مصادفة بالنسبة لأبناء المحافظة، فالهيئة العامة للطيران وقعت عقدا مع الخطوط الجوية الكويتية على اعتبار عدد أبناء دير الزور فيها يتجاوز 40 ألف نسمة.

فمنذ عقود كانت الكويت واحدة من أبرز الدول التي قصدها أبناء دير الزور للعمل، خصوصاً مع توسع سوق العمل الخليجي في النصف الثاني من القرن الماضي، سافر عدد كبير من مختلف مناطق المحافظة، واستقر كثير منهم هناك، وبنوا علاقات اجتماعية واقتصادية ما زالت قائمة حتى اليوم.

لم تكن الهجرة إلى الكويت مجرد بحث عن فرصة عمل، بل تحولت إلى جزء من تاريخ المحافظة الحديث، أجيال كاملة من أبناء دير الزور ولدت أو عاشت في الكويت، فيما بقيت الروابط مع الوطن الأم قائمة عبر الزيارات والتحويلات المالية والعلاقات العائلية.

يقول الباحث في تاريخ المنطقة، ياسر الشوحان، لموقع سوريا اكسبو، إنّ "العلاقة بين دير الزور والكويت تعكس نمطاً من الهجرة الاقتصادية التي عرفتها مناطق شرق سوريا. أبناء المحافظة كانوا من أوائل الذين توجهوا إلى الخليج، وأصبحت الكويت مساحة عمل واستقرار لآلاف العائلات".

ويضيف: "لهذا فإن وصول أول طائرة من الكويت إلى دير الزور يحمل رسالة رمزية؛ فهو يعيد فتح قناة بين مدينة وأبنائها المنتشرين خارجها".

بالنسبة للمسؤولين، لا ينظر إلى افتتاح المطار باعتباره مشروع نقل فقط، بل كبنية أساسية يمكن أن تؤثر في مستقبل المحافظة اقتصادياً.

يقول مدير مطار دير الزور الدولي، فراس العزاوي إنّ "الهدف ليس تشغيل الرحلات فقط، وإنما إعادة ربط المحافظة بالشبكة الداخلية والخارجية، هناك خطط لتوسيع حركة الطيران مستقبلاً بما يتناسب مع حاجة السكان".

ويضيف لموقع سوريا اكسبو، أنه تجري مناقشات لتوسيع حركة الطيران خلال المرحلة المقبلة بما يتناسب مع احتياجات أبناء المحافظة، مشيراً إلى وجود مناقشات مع عدد من الدول، بينها قطر والسعودية وتركيا، لفتح وجهات جديدة وربط دير الزور بشبكة أوسع من الرحلات الإقليمية والدولية، بالتوازي مع استكمال الجوانب الفنية والتشغيلية اللازمة.

ويأمل رجال الأعمال أن يساهم المطار في تسهيل حركة الاستثمار، خصوصاً أن دير الزور تمتلك موارد كبيرة في قطاعات النفط والزراعة والتجارة.

أما الخبير الاقتصادي "مازن الحسن" فيرى أنّ المطار يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في إنعاش الاقتصاد المحلي، لكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة من الخدمات والطرق والطاقة حتى يتحول إلى محرك تنموي حقيقي.

في الجانب الآخر من المشهد، يرى أبناء دير الزور في المطار فرصة لاستعادة العلاقة مع أبنائهم في الخارج، فالمغترب الذي كان يحتاج إلى رحلة طويلة للوصول إلى مدينته، أصبح قادراً على اختصار المسافة، وهو ما قد يشجع مزيداً من الزيارات وربما عودة بعض الاستثمارات.

يقول أحد أبناء المحافظة المقيمين في الكويت: "كان الوصول إلى دير الزور يحتاج إلى تخطيط طويل، أمّا اليوم أصبح الأمر أسهل، فعندما أفتح تطبيق شركات الطيران وأرى دير الزور على خريطة الرحلات الجوية، أشعر أنها اقتربت مني".

لكن المطار، رغم رمزيته، لا يلغي التحديات الكبيرة التي تواجه دير الزور. فإعادة الإعمار تحتاج إلى أكثر من مدرج للطائرات، وتحتاج إلى خدمات وفرص عمل وبنية تحتية تعيد للسكان ثقتهم بالمستقبل.

مع ذلك، فإن صورة الطائرة وهي تهبط في مطار دير الزور تحمل معنى خاصاً لمدينة عاشت سنوات وهي تشعر بأنها بعيدة عن العالم.

لسنوات، كان أبناء دير الزور يبحثون عن طريق للخروج أو العودة، طريق تحكمت به المسافات والمخاطر. اليوم، يفتح المطار طريقاً مختلفاً؛ طريقاً يمر فوق الغيوم، ويربط مدينة الفرات بأبنائها في دمشق والكويت وسائر أنحاء العالم.

فمن مطار كان تقلع منه الطائرات الحربية لقصف المدينة، إلى مطار أصبحت مهمته خدمة أبنائها، ومن "طريق الموت" إلى مدرج العودة، تبدأ دير الزور كتابة فصل جديد من حكايتها.

عدد المشاهدات: 64359
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة