الاخبار المحلية > بعد قضية محمد غميرة.. كيف يمكن تعزيز الرقابة والمحاسبة داخل مراكز التوقيف؟
2026-08-16
أعادت قضية الشاب محمد حسام الدين غميرة، الذي تدهورت حالته الصحية خلال توقيفه في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية، ملف حقوق الموقوفين وحدود صلاحيات مراكز الاحتجاز إلى الواجهة، وسط مطالبات بالتحقيق في أي انتهاك ومحاسبة المسؤولين عنه، وضمان عدم تكرار الممارسات التي عرفها السوريون داخل مراكز احتجاز النظام المخلوع.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية فتح تحقيق في ملابسات توقيف غميرة وما آلت إليه حالته الصحية، وقال قائد الأمن الداخلي العميد عبد العزيز الأحمد إن لجنة مختصة بدأت مراجعة إجراءات التوقيف والاستماع إلى المعنيين والتحقق من مدى الالتزام بالأصول القانونية.
وأكدت القيادة أن أي تجاوز يثبت وقوعه خلال إجراءات التوقيف أو التحقيق سيواجه بالإجراء القانوني، مشيرة إلى اتخاذ ما يلزم لضمان حصول غميرة على الرعاية الطبية المناسبة.
وجاء التحقيق بعد تداول صور ومعلومات عن تدهور حالته الصحية عقب توقيفه لنحو ثلاثة أيام على خلفية شكوى مالية. وتحدثت مصادر محلية وعائلته عن تعرضه للضرب والتعذيب خلال التوقيف، في حين لم تحسم التحقيقات الرسمية حتى الآن سبب إصاباته أو المسؤولية عنها.
وأوضحت عائلته أن الأطباء نقلوه إلى العناية المشددة، وأن قلبه توقف ثلاث مرات خلال الإنعاش. كما أشارت إلى أنه مصاب بمرض الناعور، وطالبت بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداء عليه.
ما حدود صلاحيات مراكز التوقيف؟
خلال حلقة برنامج "سوريا اليوم" على شاشة سوريا اكسبو، عرضت مساء السبت، أوضح المحامي والمستشار القانوني أحمد الصوان أن التوقيف ليس عقوبة، وإنما إجراء يرتبط بجمع المعلومات واتخاذ الإجراءات الأولية ضمن الحدود التي يسمح بها القانون.
وأكد أن أي ضرب أو تعذيب يتعرض له الموقوف يرتب مسؤولية قانونية، مشيراً إلى أن حماية الموقوف تستند إلى الإعلان الدستوري والقوانين النافذة والأنظمة الداخلية، في حين تبقى رقابة القضاء والنيابة العامة الضمانة الأهم.
من جانبه ، قال الأكاديمي والمحلل السياسي عصمت العبسي إن هناك فرقاً بين التوقيف المؤقت الذي يجري في أقسام الشرطة في بداية القضية، والتوقيف الاحتياطي الذي يحتاج إلى قرار قضائي.
وأضاف أن دور قسم الشرطة يتركز على تثبيت الهوية وأخذ الأقوال وتنظيم الضبط وتوثيق المعلومات المرتبطة بالواقعة، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة أو قاضي التحقيق، مشيراً إلى أن التوقيف المؤقت يستمر بين 24 و48 ساعة، في حين يحتاج استمرار التوقيف إلى قرار من جهة قضائية مختصة.
التحقيق لا يعني انتزاع الاعتراف
ورأى الحقوقي والمختص بالقانون الجنائي المعتصم الكيلاني أن المشكلة لا ترتبط فقط بغياب النصوص، بل بثقافة مؤسسية تراكمت خلال عقود واعتمدت على الضغط الجسدي والنفسي وانتزاع الاعتراف.
وأشار إلى أن التحقيق الجنائي يجب أن يعتمد على الأدلة المادية وأقوال الشهود والتسجيلات والوثائق والتقارير الفنية والطبية وتحليل الوقائع، بدلاً من استخدام العنف أو الإكراه.
وأوضح أن سوريا انضمت إلى اتفاقية مناهضة التعذيب عام 2004، وأن الاتفاقية تلزم الدولة بإجراء تحقيق سريع ونزيه عند وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع التعذيب، وضمان حق الشخص في تقديم شكوى، وعدم الاستناد إلى أقوال انتزعت تحت التعذيب.
كما أشار إلى وجود نصوص في قانون العقوبات السوري تجرم استخدام العنف لانتزاع المعلومات، إضافة إلى القانون رقم 16 لعام 2022 المتعلق بتجريم التعذيب.
وطالب الكيلاني بألا تقتصر المحاسبة على العقوبات المسلكية، مؤكداً أن الضرب أو التعذيب أو الاحتجاز غير المشروع أو تزوير المحاضر يمكن أن يرتب مسؤولية جزائية تستدعي تحقيقا قضائيا مستقلا.
ماذا يمكن أن يكشف الفحص الطبي؟
بدروه، أوضح اختصاصي الطب الشرعي مجد الإسلام بري خلال الحوار أن تحديد ما إذا كانت إصابات غميرة ناتجة عن اعتداء يحتاج إلى فحص طبي وشرعي دقيق، ولا يمكن حسمه استناداً إلى الصور أو الروايات وحدها.
وقال إن الفحص يجب أن يوثق آثار العنف، إن وجدت، ويحدد طبيعتها وزمن حدوثها، إضافة إلى دراسة الأمراض المزمنة وإجراء الفحوص والصور اللازمة.
وأشار إلى أهمية معرفة الحالة الصحية لكل موقوف قبل دخوله إلى مركز التوقيف، بما يشمل الأمراض المزمنة والأدوية التي يستخدمها والعوامل التي يمكن أن تعرض حياته للخطر.
وشرح أن مرض الناعور يؤثر في تخثر الدم، ما يجعل النزيف أكثر خطورة، مشيراً إلى أن أي إصابة قد تسبب مضاعفات شديدة لدى المصاب.
وأضاف أن النزيف الداخلي يمكن أن يرتبط بإصابة أو ضربة، لكنه قد يتفاقم أيضا نتيجة غياب المتابعة الطبية المناسبة، لذلك يحتاج تحديد ما حدث لغميرة إلى نتائج الفحوص والتحقيق.
هل تكفي بيانات فتح التحقيق؟
وناقشت الحلقة أيضاً مدى كفاية إعلان تشكيل لجان للتحقيق من دون نشر نتائجها لاحقاً، خصوصاً مع تكرار بيانات رسمية تؤكد حماية كرامة الموقوفين.
وأشار النقاش إلى مدونة السلوك التي أطلقتها وزارة الداخلية في تشرين الثاني 2025، والتي تضمنت، بحسب الكيلاني، حظر التعذيب واحترام حقوق المشتبه بهم والمتهمين. ويرى الكيلاني أن التعليمات تحتاج إلى محاسبة فعلية حتى تتحول إلى ممارسة داخل مراكز الاحتجاز.
ومن جهته، قال العبسي إنه لا يمكن اعتبار التجاوزات الحالية سياسة ممنهجة، مشيراً إلى وجود حالات تمت فيها محاسبة عناصر أو فصلهم أو إحالتهم إلى القضاء.
وذكر حالات قال إنها وقعت في ريف دمشق، وتضمنت فصل عناصر بسبب إبقاء شخص موقوفاً أكثر من المدة القانونية، وإحالة آخرين إلى القضاء في قضايا رشوة.
في المقابل، أشار الكيلاني إلى أن نتائج المحاسبة لا تعلن بصورة كافية، ما يضعف أثرها الردعي ويترك أسئلة لدى السوريين بشأن مصير التحقيقات التي تعلنها الجهات الرسمية.
كيف يمكن منع تكرار الانتهاكات؟
وطالب الكيلاني بتسجيل جلسات التحقيق بالصوت والصورة، ومنع التحقيق في أماكن غير معتمدة، وضمان حضور المحامي، وإجراء فحص طبي مستقل للموقوف عند الدخول والخروج.
كما دعا إلى إنشاء آلية مستقلة لتفتيش السجون والمخافر وتلقي الشكاوى، وحماية المبلغين، وتحريك النيابة العامة التحقيق فور ظهور معلومات جدية عن التعذيب.
وشدد على ضرورة تمكين الموقوف من معرفة سبب القبض عليه والتهمة الموجهة إليه، والتواصل مع أسرته ومحاميه، وعدم إجباره على الاعتراف، وعرضه سريعا على القضاء.
وناقشت الحلقة أيضاً حالات لا تعرف عائلات أصحابها أماكن احتجازهم، إذ أشار البرنامج إلى حالة شاب من مخيم خان الشيح بريف دمشق طالبت "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا" بالكشف عن مكانه ووضعه القانوني.
ويرى الكيلاني أن معالجة هذه الحالات تحتاج إلى حصر الاحتجاز في أماكن رسمية ومعلنة، وإنشاء سجل مركزي للمحتجزين يمكن للقضاء مراجعته.
وتبقى المسؤولية عن تدهور حالة غميرة غير محسومة حتى انتهاء التحقيقات والفحوص الطبية والقضائية. كما لم يتضح، بحسب ما ورد في الحلقة، الأساس القانوني لتوقيفه وما إذا صدر عن الجهة القضائية المختصة.
وتطرح القضية اختباراً أمام المؤسسات المعنية يتجاوز إعلان فتح التحقيق إلى نشر نتائجه وتحديد المسؤوليات وإحالة أي فعل جرمي إلى القضاء، إلى جانب تعزيز الرقابة على مراكز الاحتجاز وتطوير التحقيق الجنائي وتدريب العاملين فيها، بما يضمن حق المجتمع في الأمن وحق الموقوف في الكرامة والسلامة والعدالة.