الاخبار المحلية > في اليوم الدولي للضحايا.. 96% من أسر المفقودين في سوريا بلا دعم مؤسسي
2026-08-31
كشف تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 96 في المئة من أسر المفقودين في سوريا لا تتلقى دعماً من أي مؤسسة، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر التي تعرف دور الهيئة الوطنية للمفقودين 17 في المئة.
وجاء التقرير، الذي حمل عنوان "أصوات المفقودين: فهم احتياجات أسر المفقودين في سوريا والاستجابة لها" ، بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يصادف 30 آب/أغسطس من كل عام.
وأكدت اللجنة أن أسر المفقودين لا تعاني فقط من الغياب الجسدي لأحبائها، بل تواجه أيضاً تحديات قانونية وإدارية ونفسية واجتماعية واقتصادية تستدعي معالجة عاجلة.
وشدد التقرير على أن البحث عن إجابات بشأن مصير المفقودين وأماكن وجودهم ليس واجباً إنسانياً فحسب، بل التزام قانوني أيضاً بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
استند التقرير إلى مقابلات منزلية منظمة ومجموعات نقاش مركزة وورشات للتحقق من النتائج، شارك فيها قرابة 400 شخص يمثلون 310 أسر و396 مفقوداً في سبع محافظات ومناطق سورية.
وجُمعت بيانات المرحلة الأولى من التقييم بين كانون الأول/ديسمبر 2025 وآذار/مارس 2026، قبل توسيع نطاقه عبر 15 ورشة إضافية عُقدت بين أيار/مايو وحزيران/يونيو الماضيين.
وشكّلت النساء نحو 72 في المئة من المشاركين، في حين مثّل الآباء والأمهات 43 في المئة، والأزواج والزوجات 27 في المئة، والإخوة والأخوات 26 في المئة.
وأظهر التقييم أن 99 في المئة من الأسر تضم فرداً واحداً على الأقل من الفئات الأكثر ضعفاً، وغالباً ما يكون طفلاً أو شخصاً من كبار السن.
خلص التقرير إلى أن عدم اليقين بشأن مصير الشخص المفقود هو التجربة المركزية التي تحدد حياة الأسر، متقدماً على الضائقة الاقتصادية والتعليق القانوني والحزن بحد ذاته.
وأفادت أكثر من نصف الأسر بأن التحديات التي تواجهها تغيرت مع مرور السنوات، في حين رأت قرابة تسع من كل عشر أسر أن أوضاعها أصبحت أكثر تعقيداً.
وبحسب النتائج، أدى الاختفاء إلى فقدان الدخل لدى 86 في المئة من الأسر، وإلى ضغوط نفسية لدى 72 في المئة، في حين اضطرت 25 في المئة منها إلى تكبّد الديون، وترك الأطفال الدراسة في 20 في المئة من الحالات، وتعرضت 17 في المئة للنزوح أو التهجير.
وأشار التقرير إلى أن غياب المعلومات يمنع الأسر من الوصول إلى حالة يقين تسمح لها بالتعامل مع الفقد، إذ يتعايش الأمل والحزن لديها سنوات طويلة، وقد يمتد ذلك إلى عقود.
رصد التقرير ما وصفته الأسر بـ"الصدمة الثانية" التي أعقبت سقوط النظام المخلوع في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ أثار الإفراج عن المعتقلين وفتح السجون وتداول الصور والقوائم والشهادات آمالاً بعودة المفقودين.
لكن عدم ظهور ذويهم أدى إلى تجدد الصدمة وتفاقم القلق واضطرابات النوم والاكتئاب والأفكار المتطفلة، بدلاً من أن تحقق التطورات الجديدة إغلاقاً لهذا الملف بالنسبة إليهم.
ونقل التقرير عن شقيقة أحد المفقودين قولها: "عندما فُتح سجن صيدنايا، كان هناك أمل، لكن أيضاً صدمة. شعرت وكأن الفقدان حدث مرة أخرى".
بيّن التقييم أن الشخص المفقود كان المعيل الرئيسي لدى 61 في المئة من الأسر، في حين قالت 94 في المئة منها إنها تواجه تحديات اقتصادية مستمرة مرتبطة بالاختفاء.
وكان بيع الممتلكات والأصول وسيلة التكيف الأكثر شيوعاً لدى الأسر، بنسبة بلغت 46 في المئة، تلاه الاعتماد على دعم الأقارب بنسبة 23 في المئة، ثم الاقتراض بنسبة 17 في المئة، وإقامة مشروعات صغيرة بنسبة 14 في المئة.
ونقل التقرير عن أحد أفراد الأسر قوله: "قمنا ببيع منزلنا ومصاغنا، ولم نحصل على أي إجابات حتى الآن".
أفادت 70 في المئة من الأسر بمعاناتها من ضائقة نفسية، شملت اضطرابات النوم والقلق والحزن المستمر، في حين احتاجت 45 في المئة منها إلى إحالة للحصول على خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي.
وسجّلت الأمهات أعلى مستوى من الضائقة النفسية والاجتماعية بين الفئات المشاركة، بنسبة وصلت إلى 88 في المئة، إذ تراوحت تجاربهن بين البحث المستمر والحزن المزمن والتمسك بالأمل.
كما تعيش زوجات المفقودين أزمة عاطفية واقتصادية متزامنة، نتيجة تحمل مسؤولية الأطفال وتأمين الدخل وإدارة شؤون المنزل، إلى جانب مواجهة الغموض القانوني والعزلة الاجتماعية.
قالت 60 في المئة من الأسر إنها تواجه مشكلات قانونية أو إدارية مرتبطة باختفاء ذويها، نتيجة مطالبتها بإثبات ما إذا كان الشخص المفقود حياً أو متوفى، في حين لا تملك إجابة مؤكدة.
وكانت شهادات الوفاة الوثائق الأكثر طلباً بنسبة 58 في المئة، تلتها مستخرجات السجل المدني بنسبة 24 في المئة، ثم إثباتات الوفاة وإفادات الغياب.
وأوضح التقرير أن طلب إصدار شهادة وفاة يضع الأسر أمام عبء عاطفي ثقيل، إذ قد يتيح لها تسوية قضايا الإرث والممتلكات والأحوال المدنية، لكنه يعني في الوقت نفسه التخلي عن الأمل ببقاء الشخص المفقود على قيد الحياة.
ونقل التقرير عن شقيق أحد المفقودين قوله: "ذهبت لتسجيل وفاة أخي، لكن كيف يمكنني ذلك وأنا ما زلت آمل أن يكون حياً؟".
أظهر التقرير أن البحث عن المفقودين يشكل وسيلة للتكيف ومصدراً إضافياً للضرر في الوقت نفسه، إذ تلجأ الأسر إلى المؤسسات الرسمية والمعتقلين السابقين والمحامين والوسطاء ووسائل التواصل الاجتماعي والشبكات غير الرسمية.
وتعرّضت أسر كثيرة، خلال رحلة البحث، للاحتيال والاستغلال المالي والنفسي. وذكر التقرير أن إحدى الأمهات في حمص دفعت 7000 دولار للحصول على معلومات عن ابنها، قبل أن تكتشف أنها وقعت ضحية عملية احتيال.
وتوقفت أربع من كل عشر أسر عن البحث كلياً، معظمها بعد فقدان الأمل عقب أحداث كانون الأول/ديسمبر 2024، في حين تعتقد 85.5 في المئة من الأسر أن قريبها المفقود توفي، لكنها تصر على ضرورة الحصول على دليل قبل تقبّل ذلك.
تصدّر كشف مصير المفقودين ومعرفة أماكن وجودهم قائمة أولويات الأسر بنسبة 53 في المئة، تلاه الدعم الاقتصادي والمالي بنسبة 45 في المئة.
وجاء الدعم النفسي والاجتماعي، ولا سيما للأطفال، ضمن أبرز الاحتياجات، إلى جانب المساعدة القانونية والإدارية المتعلقة بالتوثيق والإرث والممتلكات والأحوال المدنية.
وأكد التقرير أن الأسر لا تفصل بين المساعدة الإنسانية وجهود كشف المصير، ونقل عن أحد المشاركين قوله: "لا يمكننا التوقف عن البحث، لكن لا يمكننا أيضاً التوقف عن إطعام أطفالنا".
أفادت 96 في المئة من الأسر بأن أي مؤسسة لا تقدم لها الدعم، في حين اقتصرت نسبة الأسر القادرة على تحديد الهيئة الوطنية للمفقودين بوصفها جهة تعمل على هذا الملف على 17 في المئة.
وأشار التقرير إلى أن انخفاض الوعي بدور الهيئة لا يعني انخفاض الطلب على خدماتها، إذ أبدت الأسر استعدادها للتعاون مع أي مؤسسة قادرة على تقديم معلومات موثوقة والتواصل معها بشفافية وانتظام وإشراكها بفاعلية في عمليات البحث.
وتصدرت معرفة مصير المفقودين توقعات الأسر من الهيئة بنسبة 33 في المئة، تلتها إعادة الرفات بنسبة 32 في المئة، ثم التعرف على هوية الرفات بنسبة 20 في المئة.
دعا التقرير السلطات الوطنية إلى تعزيز التواصل مع أسر المفقودين، وتزويدها بأي معلومات موثوقة متاحة، حتى في حال عدم وجود إجابة كاملة بشأن مصير ذويها.
كما أوصى بإشراك الأسر في جهود البحث وصنع القرارات المرتبطة بالملف، وسن قانون خاص بالمفقودين لتخفيف العوائق القانونية والإدارية وتوضيح أدوار الجهات المعنية ومسؤولياتها.
وطالب الجهات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني بالتعامل مع أسر المفقودين بوصفها فئة مستقلة من الفئات الأكثر ضعفاً، وتعزيز مسارات الإحالة والدعم، وتقديم المساعدة التقنية والمادية للجهود الوطنية الرامية إلى كشف مصير المفقودين.
ودعا المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي وتقني وسياسي مستمر للسلطات السورية، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات مع الدول التي تعاملت مع ملفات مشابهة.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن أسر المفقودين لا تطالب بالتعاطف وحده، بل بحقها في معرفة مصير ذويها ومكان وجودهم بطريقة شفافة تحفظ الكرامة، وبإشراكها في القرارات التي تمس حياتها.