منوعات > سوريات يقتحمن حقول الألغام للمساهمة في تعافي بلدهن
2026-05-01
حملت عبير غنيمي روحها على كفها في أثناء مسيرها في حقل بشمال غربي سوريا، فهي أم وطالبة دراسات عليا وواحدة من النساء القليلات اللواتي يشاركن في عمليات إزالة الألغام، ذلك العمل الذي لا يتسم بالخطورة فحسب، بل بأهميته البالغة بالنسبة لملايين الناس الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم بسلام.
بعد عقد ونيف على الحرب، أصبحت سوريا من أشد البلدان تلوثاً على كوكب الأرض، وأصبحت عملية التخلص من هذا التلوث أشد مهمة إلحاحاً بالنسبة للتعافي بعد التزاع، وأصبحت نساء مثل عبير يشاركن ضمن القوى العاملة على التخلص من الألغام.
على مدار عدة سنوات، سجلت سوريا ثاني أعلى نسبة في العالم من الإصابات بسبب الألغام الأرضية، إذ في عام 2023، سجلت 933 إصابة بسبب الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة، فاحتلت المرتبة الأولى وقتئذ. وفي عام 2022، وصل العدد إلى 834، وهو معدل عال عالمياً. غير أن نسبة الإصابات ارتفعت بشكل كبير عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وذلك مع بدء عودة ملايين النازحين والنازحات إلى المناطق التي حرموا منها سنين طويلة. وما بين 8 كانون الأول 2024 و25 آذار 2025، سجلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر 748 إصابة بسبب الألغام والمخلفات المتفجرة، 500 إصابة منها وقعت خلال الأشهر الأولى فقط من عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي العدد الموثق طوال عام 2024.
حجم التلوث بالألغام كبير، إذ بحسب دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام (يونماس) فإن قرابة 15 مليون وأربعمئة ألف نسمة في سوريا، أي أكثر من 65% من السكان، يعيشون في ظل خطر الذخائر غير المنفجرة، والتي تشمل الألغام الأرضية والعبوات الناسفة ومخلفات القصف الجوي والمدفعي الذي امتد لسنوات طويلة.
وتترافق الكلفة البشرية مع كلفة اقتصادية مماثلة، إذ تستحيل زراعة الأراضي الملوثة بتلك المخلفات، كما يستحيل إصلاح الطرق، وهذا ما يتسبب بتعطيل المدارس والبنية التحتية، لأن تنظيف تلك المرافق يحتاج لتمويل أولاً ومن ثم لكوادر، وكل هذه الأمور ماتزال شحيحة. وتشير إحدى الإحصائيات إلى أن تنظيف شمال شرقي سوريا لوحده من كل تلك الأمور يحتاج إلى مبلغ يفوق 190 مليون دولار، وقد حذر الخبراء من بقاء حجم الموارد على حالها، لأن هذا يعني أن إزالة كل تلك المخلفات من سوريا ستسغرق مدة تتراوح ما بين 25-40 سنة.
تعتبر منظمة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) وجود النساء ضمن كوادرها ركيزة أساسية، إذ تشارك النساء في فرق التخلص من الذخائر غير المنفجرة التابعة للدفاع المدني، فضلاً عن دورهن في مهام التوعية وإزالة المخلفات من المناطق السكنية. فقد بدأت متطوعات (الخوذ البيضاء) بالانضمام إلى فرق المسح غير التقني في منتصف عام 2022 وتوسع دورهن بعد ذلك ليشمل المسح التقني والإزالة بعد توفير التدريب والتجهيزات اللازمة لهن للعمل في مجال إزالة الألغام، وقد وصل عدد المتطوعات في عموم مراكز الدفاع المدني إلى 300 متطوعة، في حين يتركز عملهن في إزالة الألغام والذخائر ضمن فرق متخصصة يشاركن فيها الرجال جنباً إلى جنب.
ونظراً للتطورات السياسية التي حصلت في سوريا عام 2024، لم يعد عمل "الخوذ البيضاء" (الدفاع المدني السوري) منفصلاً عن الحكومة السورية، بل أصبحت جزءاً منها، إذ انتقلت إدارة برامج إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة (UXO) والبرامج الدولية التي كانت تُدار سابقاً من قبل الخوذ البيضاء إلى وزارة الطوارئ، مع التخطيط لتأسيس "المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب" كجزء من الوزارة، ووفقاً لتقارير نيسان 2026، فإن فرق الدفاع المدني السوري تعمل تحت إشراف الوزارة على إزالة مخلفات الحرب من الأراضي، حيث تم الإعلان عن إزالة أكثر من 29,000 ذخيرة غير منفجرة، بما في ذلك القنابل العنقودية. كما بدأت الوزارة تنسيق جهود إزالة الألغام مع شركاء دوليين وإقليميين.
وتشهد مشاركة المرأة في مجال إزالة الألغام ومخلفات الحروب، خاصة ضمن إدارات الطوارئ والكوارث، تطوراً ملحوظاً، حيث تحولت من مجرد أدوار توعوية إلى أدوار ميدانية دقيقة وقيادية، وتعد مثالاً حياً على كسر الحواجز في مجالات يهيمن عليها الذكور تاريخياً.
من جانبها، وسعت المنظمات الإنسانية الدولية برامجها التدريبية لتعمل على بناء القدرات المحلية، ففي مطلع شباط من عام 2025 قدمت منظمة Humanity and Inclusion الفرنسية دورة مكثفة في مكتبها بحماة امتدت لثلاثة أسابيع ركزت من خلالها على شمال غربي سوريا، وتعلم المشاركون في تلك الدورة كيفية التعرف على الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، واتباع قواعد السلامة والاستجابة للمخاطر في مجتمعاتهم، إلى جانب ممارسة عمل ميداني في المناطق المتضررة بإدلب وحلب.
بدأت نتائج تلك المساعي تظهر بوضوح، بعد أن نفذت منظمات شريكة ليونماس نحو 1500 عملية إزالة ألغام خلال الفترة ما بين سقوط نظام الأسد وكانون الأول 2025، حيث تم التخلص من أكثر من 2000 قطعة من الذخائر غير المنفجرة. وخلال الفترة نفسها، جرى تحديد 141 حقلاً مزروعاً بالألغام و450 منطقة خطرة في إدلب وحلب وحماة ودير الزور واللاذقية. كما زادت التوعية بمخاطر الألغام لتشمل 930 جلسة استفاد منها نحو 17 ألف شخصاً في شمال غربي سوريا.
وفي السياق نفسه، ساعدت فرق منظمة “ماك الدولية” في شمال شرقي سوريا على إعادة تأهيل مصادر المياه والطرق والأراضي الزراعية والمدارس التي كانت مغلقة بسبب التلوث بالألغام، وهذا ما سمح للنازحين بالعودة.
ويعمل خبراء إزالة الألغام من منظمة HALO Trust، وبينهم نساء مثل لما حاج قدور (32 عاماً)، في مختلف مناطق سوريا بعد سقوط النظام، ما سمح بالوصول إلى مناطق كانت مغلقة سابقاً أمام الفرق المدنية.
ماتزال نسبة تمثيل النساء ضعيفة ضمن القوى العاملة بإزالة الألغام في سوريا، إلا أن مشاركتهن ترتفع بشكل تدريجي، فقد شملت الدورة الأخيرة التي أقامتها منظمة Humanity and Inclusion الفرنسية متدربتين من البيئات المحلية، كانت بينهن عبير التي تعمل على القضايا الإنسانية منذ عام 2017، ولهذا دربت أبناء مجتمعها حول التعرف على أخطار المخلفات المتفجرة قبل أن تنضم إلى فرقة إزالة الألغام.
أما دافعها للقيام بذلك فشخصي ومهني في آن معاً، إذ تقول: "قد أصادف ذخيرة غير منفجرة في أي لحظة، أو قد يتعرض ابني لمخلفات الحرب"، وهذا الخوف هو الذي دفعها لتعلم طرق الاستجابة ونقلها لغيرها من الناس. فأثناء عملها في تفتناز بشمال شرقي إدلب، استخدم أحد من شاركوا في إحدى جلساتها التوعوية ما تعلمه ليمنع جاره من الامساك بجسم غريب، فأنقذ بذلك حياته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى أهمية مشاركة المعرفة بين أبناء وبنات البيئة الواحدة.
ومن هنا تتضح أهمية مشاركة المرأة، لأن الأعراف الاجتماعية المحافظة السائدة في معظم المجتمعات السورية تضع قيوداً على تعامل الرجال مع النساء إن لم يكنّ من أقاربهم، وهذا ما أتاح للعاملات في مجال إزالة الألغام والتوعية بمخاطرها أن يصلن إلى البيوت ليتواصلن مع النساء والأطفال بشكل لا يمكن لزملائهن الذكور أن يقوموا به في معظم الأحيان، بما أن تلك الفئات أشد عرضة لتلك الحوادث، وخاصة الأطفال الذين قد يصادفون أجساماً غريبة أو يعبثون بها، فقد أعلنت منظمة اليونيسيف أنه تم الإبلاغ عما لا يقل عن 422 ألف حادثة تتصل بذخائر غير منفجرة في عموم سوريا منذ عام 2011، وفي نصف تلك الحوادث تقريباً كان الأطفال هم الضحايا.
أصبح الحضور النسائي المتزايد في مجال إزالة الألغام جزءاً من عملية أوسع تسعى لئلا تقوم عملية التعافي في سوريا على حالات الإقصاء القديمة، وخاصة بعد التهميش الذي تعرضت له السوريات في العملية الانتقالية السياسية، إذ لم تفز سوى ست نساء بمقاعد في مجلس الشعب خلال الانتخابات التي أجريت في تشرين الأول 2025، كما وصفت نساء دورهن في عدد كبير من مؤسسات الدولة بأنه مجرد دور رمزي أكثر من كونه أساسي وجوهري.
وفي هذا السياق، تحمل الأدوار التقنية مثل إزالة الألغام أهمية كبيرة بعيداً عن أهميتها المباشرة، وذلك لأن أطر العمل الإنساني تقر بأن مشاركة المرأة تحقق نتائج مهمة على صعيد التعافي بعد النزاع، أي أن مشاركة المرأة ليست مجرد إضافة، لأن تلك الفرق إن كانت قائمة على التنوع ستصل بصورة أكبر للسكان المتضررين، وستبني علاقة ملكية محلية أقوى بالنسبة لعملية التعافي. ويعبر عن هذه الرؤية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من خلال استراتيجية المساواة الجندرية في سوريا لعام 2026، والهدف من ذلك ترسيخ دور النساء وقدرتهن على التأثير في برامج التعافي الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي.
ترى عبير المسألة بطريقة مباشرة فتقول: "لا فرق بين الرجال والنساء في القدرة على المساهمة، فالحرب في سوريا أظهرت الدور الهام للنساء في دعم مجتمعاتهن".
ماتزال مشكلة الألغام في سوريا واسعة ومعقّدة، بما أن الموارد المخصّصة لمعالجتها أقل بكثير من حجم الحاجة الفعلية. فقد خفّضت ألمانيا -التي تعتبر من أبرز الجهات الداعمة لبرامج إزالة الألغام- ميزانيتها المخصصة لتلك البرامج لأكثر من النصف في عام 2025، كما تراجعت المساعدات الأميركية عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، التي كانت تموّل أعمال إزالة الألغام في شمال شرقي سوريا. وبالمقابل، تعمل منظمات مثل HALO Trust وMAG International على توسيع نطاق عملها بعد أن أتاح سقوط النظام السابق الوصول إلى مناطق كانت مغلقة أمامها لسنوات، غير أن الخبراء يحذّرون من غياب التمويل الدولي المستدام لأن ذلك سيُبقي وتيرة التقدّم بطيئة ومؤلمة.
مع كل حقل تزال منه الألغام، ومع كل طريق يفتح من جديد، ومع كل حيّ يعود صالحاً للحياة، تصبح عائلات جديدة قادرة على العودة إلى بيوتها، كما يمكن إحياء الأراضي التي هجرها أصحابها، إلى جانب إعادة فتح المدارس التي أُغلقت طويلاً. ومع تسارع جهود التعافي، لا يقتصر دور النساء المنضمات إلى فرق إزالة الألغام على تفكيك الخطر المدفون في الأرض، بل يمتد ليصبح جزءاً أساسياً من صناعة الأمل وإعادة بناء الحياة نفسها.