الاقتصاد > وزير أردني: الطريق إلى الاستثمار الأجنبي في سوريا يمر عبر الاستقرار والمشاريع
2026-06-02
تسعى سوريا إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية وإعادة تنشيط اقتصادها المتضرر من سنوات الحرب، في ظل تحولات سياسية واقتصادية متسارعة وإشارات متزايدة على انفتاح دولي وإقليمي. وفي هذا السياق، انطلقت أعمال المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص في سوريا، بنقاشات حول متطلبات الاستثمار وإعادة الإعمار، ودور المؤسسات والسياسات الاقتصادية في تهيئة بيئة أعمال قادرة على جذب رؤوس الأموال. وجاءت التصريحات خلال الحدث لتسلّط الضوء على الفرص المتاحة والتحديات التي لا تزال تعترض طريق التعافي الاقتصادي في البلد.
وخلال هذه الفعالية التي أقيمت يوم الاثنين الماضي، قال وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني السابق وسام الربضي إن هناك "اهتماماً واسعاً بالاستثمار في سوريا على المستويين الإقليمي والدولي، وكذلك بالمشاركة في إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد السوري من جديد"، بما أن سوريا برأيه، "ترسل كل الإشارات الصحيحة" التي تثبت انفتاحها أمام الأعمال والاستثمار، لكنها بحاجة إلى توفير قدر أكبر من الاستقرار وإطلاق مشاريع قابلة للتمويل من أجل جذب المزيد من الاستثمارات الدولية.
وأضاف أن البلاد تشهد تزايداً ملحوظاً في اهتمام المستثمرين الأجانب مع إعادة بناء اقتصادها، بما أن دولاً مثل الإمارات والسعودية بدأت بالفعل بالالتزام بتطوير مشاريع كبرى في سوريا.
وأضاف الربضي: “لكن من أجل أن يأتي المستثمرون بصورة فعلية ويضخّوا أموالهم، هناك متطلبات أساسية، يأتي في مقدمتها، وهي الأهم بالنسبة لأي مستثمر، مسألة القدرة على التوقع. إذ يجب أن تكون القوانين والأنظمة واضحة، وأن تتوفر الشفافية وإمكانية التوقع بالنسبة للتشريعات والقوانين الناظمة.
وأشار إلى أن مستثمرين من مختلف دول الخليج يتسابقون إلى سوريا لاقتناص الفرص المبكرة للإسهام في إعادة إحياء الاقتصاد الذي أنهكته سنوات الحرب.
وعقب رفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على سوريا بموجب أمر تنفيذي، وإلغاء الكونغرس "قانون قيصر" في كانون الأول الماضي، فُتح الباب أمام الاستثمارات لتتدفق على ذلك البلد. وفي السياق نفسه، رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية عن سوريا في أيار من العام الماضي، وأعاد الشهر الماضي العلاقات التجارية والدبلوماسية الكاملة مع دمشق.
ورغم ذلك، ماتزال سوريا تواجه تحديات كبيرة، من بينها تضرر البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر، والتضخم الشديد.
وهذا ما دفع الربضي إلى القول إن المستثمرين ينظرون إلى عنصرَي المخاطرة والعائد، وأضاف أنهم على استعداد لتحمل نسبة معينة من المخاطرة بكل تأكيد، لكنهم يطالبون بعائد أعلى مقابل هذه المخاطرة، إذ كلما نجحت الدولة في تقليل المخاطر أمام المستثمرين، زادت احتمالات ضخهم للاستثمارات.
وتابع بالقول: "تحتاج البلد إلى جهة قوية حتى تروج للاستثمار فيها، بحيث تتواصل مع المستثمرين وتسعى إلى جذبهم، مع وجود قائمة واضحة من المشاريع القابلة للتمويل".
وشدّد الوزير السابق على أن الأمر لا يقتصر على البنية التحتية مثل الطرق وشبكات الكهرباء، بل يشمل أيضاً بناء مؤسسات قوية، بما أن ذلك يعتبر أحد العناصر الأساسية لجذب الاستثمارات.
وخلال الفعالية التي أقيمت يوم الإثنين، قال منهل الفارس، المدير العام لهيئة تنمية الإنتاج والصادرات السورية، إن الحكومة في دمشق حريصة على “الاستماع إلى القطاع الخاص: ماذا يريد، وإلى أين يتجه، وما هي رؤيته للاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة".
وأضاف أن الحكومة السورية، في ظل رئاسة أحمد الشرع، تعمل على تعزيز "اقتصاد سوق موجّه"، يكون فيه "القطاع الخاص في موقع القيادة، لكنه يجب أن يخضع للإشراف والتوجيه".
وأوضح بأن هذا يعني أنه "عندما تحدث انحرافات أو ابتعاد عن بعض المبادئ الاقتصادية أو عن الاستراتيجية الصناعية للبلد، تتدخل الحكومة لتصحيح مواطن الخلل".
هذا وتركز الحكومة على زيادة الإنتاج المحلي والصادرات، مستفيدة من موقع سوريا الجغرافي.
يرى الربضي أن سوريا تمر بمرحلة إعادة بناء وهيكلة شاملة، بما يخلق فرصاً استثمارية في عدة قطاعات، أبرزها في مجال المصارف والطاقة والذكاء الاصطناعي. وأضاف: "هناك كثير من الفرص في قطاعات متعددة، بدءاً بالبنية التحتية وصولاً إلى التصنيع والتمويل".
يذكر أن سوريا بدأت بالفعل باستقطاب استثمارات في قطاعات مثل العقارات والطيران.
وخلال الشهر الماضي، عُقد أول منتدى أعمال ثنائي بين الإمارات وسوريا في العاصمة دمشق، بحضور وفد إماراتي كبير ضم مسؤولين ورجال أعمال، وذلك للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024. كما أعلن رجل الأعمال الإماراتي ومؤسس شركة إعمار، محمد العبار، عن خطط لاستثمار ما يصل إلى 18 مليار دولار في سوريا. وفي شهر شباط الماضي، أعلنت السعودية أيضاً عن حزمة استثمارية كبيرة تشمل الطاقة والطيران والعقارات والاتصالات، كما أطلقت صندوقاً استثمارياً بقيمة 7.5 مليار ريال سعودي (أي نحو ملياري دولار) لتطوير مطارين في مدينة حلب.
وفي السياق ذاته، يسعى المصرف المركزي السوري إلى الحصول على تصنيف ائتماني سيادي للمرة الأولى، في خطوة هدفها الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية وتعزيز زخم النمو الاقتصادي.
وضمن تصريحاته، قال الربضي: "أعتقد أنه بوسع سوريا الاستفادة من التجربة الأردنية بشكل كبير بما أننا جيران… إذ يمكن للبلدين أن يتحولا إلى محور للخدمات اللوجستية والتجارة وسلاسل الإمداد.. فالأردن لديه خبرة واسعة طورها على مدار العقود الماضية في التعامل مع مثل هذه الظروف، إلى جانب خبرته في بناء المؤسسات والأنظمة، وهي تجربة قريبة جداً من واقع سوريا، وذلك من حيث التركيبة السكانية والاقتصاد السياسي. لذلك أعتقد أن أمامنا تعاون كبير سيستفيد منه الطرفان".
في المحصلة، تبدو سوريا أمام مرحلة مفصلية تحاول معها الانتقال من تداعيات الحرب إلى إعادة تموضع اقتصادي أوسع يقوم على استقطاب الاستثمارات وإعادة بناء المؤسسات. وبينما تتزايد المؤشرات الإقليمية والدولية على انفتاح اقتصادي تدريجي، تبقى التحديات الداخلية عاملاً حاسماً في تحديد سرعة هذا التحول. وبين الرهان على القطاع الخاص وتوسيع الشراكات الإقليمية، يظل نجاح هذه الجهود مرهوناً بقدرة دمشق على تحويل الخطط والرؤى إلى بيئة استثمارية مستقرة وموثوقة على أرض الواقع.