الاقتصاد > 43 مليار يورو خسائر اقتصادية.. موجات الحر تتحدى شركات أوروبا
2026-08-16
تتسبب موجات الحر في أوروبا بخسائر اقتصادية متزايدة، مع تراجع المبيعات والإنتاجية وارتفاع تكاليف التشغيل، في وقت تكشف فيه هذه الظاهرة عن فجوة متنامية في التغطية التأمينية للشركات.
وقدّرت شركة «موديز» أن موجات الحر التي شهدتها أوروبا خلال الصيف الماضي تسببت في خسائر بلغت 43 مليار يورو، ما يعادل 50 مليار دولار، من الناتج الاقتصادي المفقود، في حين لم تنتج عنها سوى نحو 500 مليون يورو من تعويضات التأمين.
موجات الحر تضرب قطاع الضيافة
في مدينة بادوفا الإيطالية، التي اعتادت مقاهيها على مدى أكثر من قرن استقبال الزبائن في بداية المساء لتناول مشروب «الأبيريتيفو» والتواصل اجتماعياً قبل العشاء، تغير نمط الحياة خلال موجات الحر الأخيرة.
ومع تعرض أوروبا لموجتها الخامسة من الحر هذا العام، اختفت تقريباً الفترة التقليدية لتناول «الأبيريتيفو» بين السادسة والسابعة مساءً، بعدما فضل الناس الاحتماء بالأماكن الداخلية المكيفة بدلاً من الجلوس في المساحات الخارجية.
وقالت فيديريكا لوني، رئيسة جمعية قطاع الضيافة «إيه بي بي إي بادوفا»، إن توقيت «الأبيريتيفو» في المدينة يبدأ في وقت متأخر غالباً، ما يجعل مناطق الجلوس الخارجية والشرفات والمساحات المفتوحة غير مستخدمة وفارغة خلال فترات الحرارة الشديدة.
وأظهر مسح شمل نحو 600 شركة تعمل في قطاع الضيافة بمدينة بادوفا وإقليمها أن أكثر من 80% من الشركات أبلغت عن انخفاض إيراداتها بنحو 20% خلال موجة الحر الأخيرة.
تقرؤون أيضاً: وزير مالية فرنسا يحذر من: عجز الموازنة والدين يضغطان على اقتصاد البلاد
الحرارة تضغط على الإنتاجية والإنفاق
لا تقتصر التداعيات الاقتصادية للحرارة المرتفعة على قطاع الضيافة، إذ تؤثر موجات الحر في الإنتاجية وتحد من إنفاق المستهلكين، إلى جانب رفع تكاليف التشغيل بالنسبة للشركات.
وتواجه شركات التأمين تحدياً في تغطية هذه الخسائر، لأنها غالباً ما تنتج عن اضطرابات تشغيلية غير مباشرة وليس عن أضرار مادية واضحة.
وقالت سفينيا سورمينسكي، العضو المنتدب لشؤون المناخ والاستدامة لدى «مارش»: «الحرارة في حد ذاتها ليست خطراً مؤمّناً عليه تقليدياً».
وأضافت أن الحر الشديد نادراً ما يتسبب في أضرار مادية كارثية على غرار الفيضانات أو العواصف، إلا أن الاضطراب المالي والتشغيلي الناجم عنه يمكن أن يكون «بالقدر نفسه من الشدة».
فجوة في تغطية انقطاع الأعمال
كشف مسح أُجري عام 2023 وشمل 9 آلاف شركة صغيرة ومتوسطة لصالح الجهة التنظيمية للتأمين في أوروبا، أن 28% من الشركات لديها تغطية لانقطاع الأعمال ضمن تأمين الممتلكات.
في المقابل، تمتلك 17% فقط تغطية لانقطاع الأعمال غير المرتبط بالأضرار المادية، والتي تشمل أحداثاً مثل الإضرابات.
وتتسع فجوة الحماية التأمينية مع ارتفاع التكلفة الاقتصادية للحرارة الشديدة، في ظل تأخر القطارات وتراجع المحاصيل الزراعية وارتفاع تكاليف تبريد المصانع، إضافة إلى الصعوبات التي يواجهها العمال للحفاظ على مستويات الإنتاجية خلال فترات الحر الممتدة.
ومن بين الشركات التي أشارت إلى تأثرها بالطقس الحار أو حذرت من تداعياته المحتملة مستقبلاً عند إعلان نتائج الربع الثاني، إيتاب غروب السويدية المتخصصة في تجهيز المتاجر، وبوتزي الإيطالية للإسمنت، وشركة المدفوعات الفرنسية وورلدلاين.
الحرارة «خطر مركب» على الشركات
غالباً ما تعمل الحرارة بوصفها «خطراً مركباً»، إذ تتفاعل مع الجفاف وحرائق الغابات ونقص المياه، بدلاً من التسبب في خسارة واحدة يمكن تحديدها بوضوح.
ويجعل هذا الأمر نمذجة مخاطر الحرارة وتأمينها أكثر صعوبة مقارنة ببعض الكوارث الطبيعية الأخرى.
وتزداد أهمية هذا التحدي في أوروبا، التي تُعد القارة الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة. وأظهرت مراقبة «رويترز» للمناخ أن متوسط درجة الحرارة في أنحاء أوروبا الغربية كان أعلى بنحو 10 درجات مئوية، أو 18 درجة فهرنهايت، من متوسط الفترة بين عامي 1961 و1990 في 11 آب/أغسطس.
35% من الشركات ترصد مخاطر موجات الحر
أظهرت بيانات جمعتها منصة الإفصاح البيئي «سي دي بي» أن 35% من الشركات التي تتابعها حددت موجات الحر باعتبارها أحد عوامل المخاطر.
وكانت الشركات العاملة في قطاعات التصنيع والخدمات والبنية التحتية والأغذية من بين الأكثر تأثراً.
ورغم أن التأمين قد يغطي بعض الخسائر المادية المرتبطة بأحداث مثل انقطاع الكهرباء، تقول الشركات إن هذه التعويضات غالباً لا تعوض سوى جزء محدود من آثار تراجع المبيعات وانخفاض نشاط العملاء.
وقالت لوني: «الخسارة الحقيقية هي الإيرادات التي لا تحققها والنشاط التجاري الذي لا يحدث بسبب الانقطاع».
التأمين البارامتري يبرز كحل محتمل
في محاولة لسد فجوة الحماية، تتجه شركات التأمين بشكل متزايد إلى دراسة منتجات التأمين البارامتري، التي تتيح دفع التعويضات تلقائياً عند تجاوز درجات الحرارة مستويات محددة مسبقاً.
وعلى خلاف التأمين التقليدي القائم على التعويض، لا تحتاج هذه السياسات إلى عملية طويلة لتقييم حجم الخسائر قبل صرف التعويض.
ومن المتوقع أن يصل سوق التأمين البارامتري في أوروبا إلى 7.93 مليار دولار بحلول عام 2031، وفق تقرير صادر عن «كيه بي في ريسيرش»، مع معدل نمو سنوي مركب يبلغ 9.5% بين عامي 2025 و2032.
الزراعة تتوسع في استخدام التأمين البارامتري
تُستخدم هذه السياسات بالفعل في قطاع الزراعة، حيث يمكن للحرارة أن تؤثر في إنتاجية المحاصيل والثروة الحيوانية.
ويرى خبراء القطاع إمكانية توسيع نطاق استخدامها ليشمل قطاعات أخرى مثل النقل وحماية القوى العاملة.
وقال أيدان كير، رئيس حلول القطاع العام في المملكة المتحدة وأيرلندا لدى «سويس ري»: «يمكن للتأمين البارامتري أن يؤدي دوراً حقيقياً».
التكيف مع الحرارة أولوية للشركات
رغم تنامي الاهتمام بالحلول التأمينية، ستحتاج العديد من الشركات إلى التركيز بالدرجة الأولى على تكييف عملياتها مع فترات الحرارة الشديدة الأكثر تكراراً.
وتشمل الإجراءات المقترحة الاستثمار في تقنيات التبريد، وإعادة تصميم أماكن العمل، واختبار قدرة سلاسل الإمداد على تحمل الضغوط الناجمة عن الحرارة.
وقالت سورمينسكي من «مارش» إن الهدف يتمثل في «اتخاذ إجراءات لتجنب الخسائر بدلاً من التعامل معها بعد وقوعها».