سياسة > ناشيونال إنترست: ما الذي تعنيه الاتفاقية الأخيرة بين الحكومة السورية وقسد؟
2026-02-11
نشر موقع ناشيونال إنترست الأميركي تقريراً تناول فيه تطورات العلاقة بين الحكومة السورية في دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) عقب جولة الاقتتال التي شهدتها مناطق شمالي وشرقي سوريا مطلع عام 2026، والدور الأميركي في فرض وقف إطلاق النار بين الطرفين، في سياق أوسع يتصل بمساعي توحيد البلاد وتسريع الانسحاب العسكري الأميركي.
وسلّط التقرير الضوء على المخاوف الأميركية من انزلاق سوريا نحو صراع عرقي جديد، وعلى التحديات التي ما تزال تعترض العملية الانتقالية، رغم التفاهمات التي جرى التوصل إليها بوساطة واشنطن، إضافة إلى انعكاسات تلك التطورات على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
فيما يلي الترجمة الحرفية للتقرير:
خبا الاقتتال بين الحكومة المركزية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية التي كانت مدعومة أميركياً بعد بداية مضطربة لعام 2026، إلا أن هنالك قضايا بقيت عالقة. إذ في الوقت الذي مثل أهم تحول في السيطرة على الأراضي منذ انهيار نظام الأسد في كانون الأول 2024 لحظة حاسمة في العملية الانتقالية بسوريا، فرضت واشنطن وقف إطلاق النار الذي أنهى الاقتتال بين طرفين فاعلين رئيسيين، من دون أن ينهي ذلك خلافاتهما بشكل يضمن الاستقرار في سوريا على المدى البعيد، بل مثل ذلك نقطة تحول محتملة في مساعي توحيد البلد مع تسريع الانسحاب العسكري الأميركي منه.
لا مجال لأحداث طائفية أخرى
قامت الأعمال العدائية التي بدأت في حيين بحلب التي تعتبر ثاني أكبر مدن سوريا، ثم توسعت شرقاً، فوصلت أخيراً إلى محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية، بدعم أميركي صريح، إذ منذ المحادثات في باريس وصولاً إلى الاجتماعات المتكررة التي جمعت مسؤولين أميركيين بعناصر فاعلة سورية من كلا طرفي الاقتتال، أعربت واشنطن عن نبرة تشكيك متصاعدة في المفاوضات التي امتدت لسنين بين الطرفين، فاختارت في نهاية الأمر الوقوف في صف الموقف التركي وموقف دمشق، ومن خلال اتخاذها لهذا الموقف دعمت الهجوم الذي شنته الحكومة المركزية كما رسخت رضوخ قسد لمعظم مطالب دمشق التي طرحت في المحادثات الساعية لتوحيد البلد.
ولكن، يبدو أن الرئيس السوري أحمد الشرع تجاوز الحد عندما دفع قواته لتتوغل في هجومها بشمال شرقي سوريا في أواسط شهر كانون الثاني، بعد أن توصلت حكومته هي وقسد إلى وقف لإطلاق النار بوساطة أميركية، وذلك لوقف الاقتتال على ضفتي نهر الفرات. عندئذ حاولت واشنطن التدخل لتمنع بالقوة حدوث كارثة في العلاقات العامة، ما أكد وجود مخاوف حقيقية من حدوث تطهير عرقي وعنف يستهدف الكرد على يد الجيش السوري.
في ظل هذا السياق، لا يمكن اعتبار إدارة ترامب داعمة لأعمال قتل عرقية أخرى في هذا البلد الذي شهد أعمالاً من هذا النوع في الشمال الغربي وفي الجنوب خلال عام 2025. وفي خضم الدعوات المطالبة بفرض العقوبات من جديد على الحكومة المركزية، فرضت إدارة ترامب وقف إطلاق النار بين الطرفين.
ولن يفوت من يراقبون الملف السوري عن كثب المفارقة التي ظهرت في تلك اللحظة الفارقة، إذ عبر القبول بوسيلة عنيفة لتحقيق غاية صعبة المنال ألا وهي التوحيد، كادت واشنطن أن تحكم على العملية الانتقالية في سوريا بالفشل، لأن مجزرة أخرى تعتبر كارثة بالنسبة لدمشق وسط أجواء صارت فيها أقليات مثل الدروز تطالب بالاستقلال، في حين طالب العلويون باللامركزية بسبب عمليات القتل التي ارتكبت بحق طائفتهم.
ونظراً لوجود مصلحة أميركية جلية في تأمين عملية انتقال مستقرة حتى تنسحب من سوريا وتمنع تجدد حالات انتقال الصراع إلى خارج سوريا، وهي أهداف غامضة لكنها مشروعة باعتراف الجميع، لذا فإن السماح للحكومة المركزية بالتحرك من دون ضوابط يعني تعريض البلد لخطر الانزلاق نحو صراع عرقي لا يختلف كثيراً عما عاشه العراق في عام 2006.
بيد أن هذه النتيجة ما تزال منطقية، وهذا ما ترك المسؤولين الأميركيين في مواجهة قضايا صعبة وسط إطلاق نار هش، إذ من المرجح أن كلا الطرفين قبلا على مضض بشروط اتفاقية واشنطن التي لم تحل سوى القليل من العداوات العالقة بينهما والتي رسمت حدود علاقتهما ببعضهما. وهذه الظروف تزرع بذور صراع سيحدث بينهما مستقبلاً، بما أن كلا الطرفين يفضلان اللجوء إلى القوة لحل المظالم الكامنة في حال فشل المحادثات المفروضة عليهما في تحقيق الغايات نفسها. ثم إن عملية فرض المفاوضات لحل تلك القضايا هي ما يفتح الباب واسعاً أمام حدوث هذا الصراع.
غير أن وقف إطلاق النار الجديد يضع الأساس بالنسبة للمحادثات الساعية للتوصل إلى حل سياسي بالنسبة لقضية التوحيد التي تعتبر السبيل الواقعي الوحيد أمام تحقيق سلام دائم في سوريا. فأكبر مطالب قسد تتصل بحق الكرد بالمواطنة، واللغة، والوحدة العسكرية، وهي كلها موجودة في الاتفاقية وفي المرسوم الذي أصدره الشرع في السادس عشر من كانون الثاني بالنسبة لحقوق الكرد، وهذا ما منح الكرد نقاطاً بوسعهم البناء عليها، كما منع المتشددين منهم من التحول إلى مخربين.
وبالشكل ذاته، منح الاتفاق دمشق السيطرة على أراضي شمال شرقي سوريا، في ظل وجود شروط مهمة تتصل بنشر قوات الأمن في تلك المناطق وإدارتها، وهذه الشروط لا تشبه الفيدرالية التي تمقتها دمشق إلا بالنزر اليسير. ثم إن هذا الاتفاق منح المجتمعات الكردية إحساساً أكبر بالأمان الذي ما يزال مفقوداً، وهذا ما يهدئ مخاوفها التي ظهرت على الفور تجاه حدوث عمليات انتقام على أساس عرقي كما حدث في أماكن أخرى من البلد.
وفي ظل هذا العمل الإطاري، يتجسد الأمل في التخفيف من وطأة مظاهر القلق التي يبديها الطرفان، وذلك عبر تذليل بعض العقبات التي لم تذلل خلال المحادثات السابقة، حتى ولو تم ذلك بصورة جزئية. فالحكومة المركزية تخشى من بلقنة سوريا، في وقت بدأت مخاوف الكرد بخصوص الأمن بالتراجع، مما قد يفتح الباب أمام التوصل لتسويات أعمق عندما تهدأ النفوس.
وكما يقول المثل: "التسوية الجيدة هي تلك التي لا ترضي كلا الطرفين"، فقد بات من الواضح بأن وقف إطلاق النار الأول الذي تم الاتفاق عليه في 18 كانون الثاني قد فشل، ما أوصل الطرفين إلى مستوى مقبول من الرضا، بعد أن فرض الاتفاق تقريباً كل ما طلبته دمشق من قسد التي كانت على استعداد لخوض القتال حتى آخر رجل وامرأة، ولهذا أصدرت أوامر بالتعبئة العامة عندما توقعت تحرك الجيش السوري نحو القامشلي والحسكة بغرض الانتقام. وهنا تكمن نقطة مهمة، وهي أن التطور الطبيعي لحل أي خلاف بين قسد ودمشق بطريقة عنيفة لابد أن يتسبب بوقوع حمام دم طائفي، ما يقطع أي أمل بتحقيق مستقبل للبلد على المدى القريب.
والآن، أصبح الهدف يتمثل بالمضي قدماً بمحادثات توحيد البلد إلى ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في كانون الثاني الماضي، مع إدخال تعديلات طفيفة على مسألة تمديد العمل باتفاقي آذار ونيسان بين الطرفين. ويرجح لواشنطن أن تواصل إشرافها على تلك المساعي خلال سحبها لقواتها من سوريا. والحق يقال إنها بدأت بالانسحاب من قاعدتها الموجودة في الشدادي، وذلك بعد أن سيطرت دمشق على المنطقة، وفي ذلك مؤشر آخر واضح على أنها تربط أي انسحاب بسيطرة الحكومة المركزية سيطرة كاملة على المناطق والسجون التي تؤوي مقاتلي تنظيم الدولة.
وهذا النهج يدفع دمشق لمواصلة العمل والسعي نحو عقد اتفاق مع قسد، كما يضغط على قسد حتى تتوصل لاتفاق مع الحكومة المركزية، بعد أن أدركت بأن الدعم الأميركي لن يبقى إلى أبد الآبدين. وعبر الاستعانة بمجموعة من الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، يمكن لواشنطن أن تواصل ضغطها على هذين العنصرين الفاعلين حتى يصلا إلى الوجهة الصحيحة من دون أن يكون لها وجود عسكري على الأرض، فالهدف ضمان تسليم نظيف لمهمة محاربة تنظيم الدولة بشكل يبقي العملية الانتقالية في سوريا على مسارها. وفي حال قاومت إدارة ترامب فكرة السماح للعنف بتحقيق غايات سياسية جوهرية، فإن النجاح سيكون حليفاً لهذه الاستراتيجية.