سياسة > القنيطرة على خطوط التماس.. حياة يومية تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي
2026-04-26
تبعد القنيطرة عن صخب مدينة دمشق مسافة تقل عن ساعة واحدة، وتُعدّ أصغر محافظة سورية، وتتألف من أراضٍ منبسطة يجوبها الرعاة مع قطعانهم، وتتخللها سدود أقيمت على تربة ذات لون بني مائل إلى الرمادي، فوق مسطحات مائية زرقاء تبرز وسط خضرة لا متناهية، حيث تحتضن التلال الحقول التي أُقيمت في معظمها نقاط مراقبة تابعة للأمم المتحدة، كما ازدادت حركة إقامة قواعد عسكرية هناك خلال الآونة الأخيرة.
على الرغم من احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية في حرب عام 1967، وضمّها إليها في عام 1981 بشكل غير قانوني، فقد حافظ البلدان على سلام هش منذ اتفاق فضّ الاشتباك الذي وُقّع بوساطة أممية في عام 1974، وبموجبه تم تحديد منطقة عازلة منزوعة السلاح بين خطين، حيث يتعيّن على جميع القوات الإسرائيلية أن تتمركز غربي خط ألفا، ويُستثنى من ذلك القنيطرة، في حين تتمركز القوات السورية شرقي خط برافو.
تمتد المنطقة الفاصلة على مسافة تقل عن ثمانين كيلومتراً تقريباً، ويتراوح عرضها ما بين 183 متراً إلى عشرة كيلومترات تقريباً. وقد نُشرت قوات مراقبة فض الاشتباك الأممية (الأندوف) في المنطقة العازلة بين الخطين لمراقبة الالتزام بالاتفاق.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، أعلنت القوات الإسرائيلية عن إلغاء اتفاق فض الاشتباك "حتى استعادة النظام في البلد"، وتوغلت في المنطقة العازلة، بل تجاوزت خط برافو، وأخذت تفعل ما يحلو لها في تلك المنطقة.
وعن ذلك يقول الراعي أحمد رحاين، 17 عاماً: "أخاف أثناء العمل"، وذلك عند وقوفه على حافة الطريق المؤدي إلى قرية الرويحينة، ممسكاً بيمينه عصا خشبية. أما شقيقه مصطفى، 16 عاماً، فقد ارتدى شماغاً مثله تماماً.
زار صحفيون هذه المحافظة الجنوبية ليتعرفوا على شكل الحياة هناك في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وليتحدثوا إلى سكان المنطقة، بما أن معظمهم بات يعيش في خوف من المجهول، مع تنفيذ إسرائيل لمداهمات واعتقالات كما يحلو لها، ما جعل معظم أهالي المنطقة يشعرون بعبء ثقيل من جراء وجود جنود الاحتلال الإسرائيليين، ولكن ما من خيار أمامهم سوى أن يتعايشوا مع وجودهم.
ثمة تحديات مرتبطة بعملية نقل الأخبار من القنيطرة، ففي كانون الثاني 2025، احتجزت القوات الإسرائيلية الصحفي الفرنسي سيلفان ميركادييه ضمن الأراضي السورية وصادرت معداته، ثم وصلتنا أخبار حول تعرض إعلاميين آخرين، بعضهم أجانب أو من أبناء البلد، للاعتقال في تلك المحافظة، إلا أن تلك الحالات لم تصل إلى الإعلام.
تشوب أجواء القنيطرة حالة توتر، ويبدو بأن جميع الأهالي يعرفون بوجود مخبرين بينهم ينقلون أخبارهم للقوات الإسرائيلية، لذا من الصعب التخطيط لتغطية الأخبار هناك، بما أن إسرائيل تنصب في معظم الأحيان حواجز تفتيش "طيّارة" أو متنقلة عند مداخل القرى. وعلى الطريق، سألنا الأهالي عن وجود دوريات أمامنا، وذلك حتى نتخذ طرقاً أخرى أو نغير مسارنا لتجنب المواجهة مع العساكر الإسرائيليين، بما أن التصريح الذي تمنحه الحكومة السورية لمزاولة العمل الصحفي في الأراضي السورية لا قيمة له بنظرهم.
يحدثنا أحمد عن الأوضاع فيقول: "الوضع متوتر، [فالعساكر الإسرائيليون] يتوغلون كل يوم تقريباً ويفتشون البيوت والهواتف المحمولة"، ويضيف بأنهم يعتقلون الناس في معظم الأحيان، ثم أخبرنا كيف استوقفه عسكري إسرائيلي في إحدى المرات وأخضعه للاستجواب لمدة نصف ساعة، وأضاف: "ضربني بأخمص بندقيته"، وأشار إلى موضع الضرب على كتفه ثم قال: "حاول أن يتحدث إليّ بالعبرية، لكني لا أتحدث بها، فأنا لا أتحدث إلا العربية، ولهذا ضربني حتى يجعلني أفهم ما يقوله، ثم طلب مني أن أتبعه".
على الرغم من كثرة الانتهاكات في السابق بحق رعاة المواشي في المنطقة، ساء الوضع أكثر منذ سقوط النظام. إذ تتحدث التقارير الإعلامية عن إطلاق النار على المواشي والأغنام، بالإضافة إلى اعتقال الرعاة، ويخبرنا أحمد كيف أطلق عساكر إسرائيليون النار في إحدى المرات على الماشية فقتلوا خمسة رؤوس لجاره، وأضاف بصوت أخذ يعلو تعبيراً عن الاستياء: "أخبروه بأنهم سيأخذوه في المرة القادمة".
كان السخط واضحاً على الأخوين رحاين، غير أنه من الصعوبة استقراء مشاعر غازي عثمان، مختار قرية بير عجم الشركسية، إذ يمثل الشركس أقلية عرقية صغيرة في سوريا يتراوح عددها ما بين 100–140 ألفاً، فقد قال هذا المختار متحدثاً عن العساكر الإسرائيليين: "أتوا إلى بيتي مرتين، فطلبت منهم في المرة الأولى أن يبقوا في الخارج، وفي الثانية دعوتهم للدخول، وقدمنا لهم القهوة"، وذكر بأن أحد "الجنرالات" الذي كان بين العساكر سأله عن رأيه بالسلام، فرد عليه حسب زعمه بالقول: "كل إنسان عاقل في كل سوريا يحب السلام، ولكن ليس بهذه الطريقة"، وهذا ما دفعهم لطلب توضيح منه، فرد عليهم قائلاً: "تأتون بزيكم العسكري حاملين بنادقكم، ثم تتحدثون عن السلام؟ السلام لن يحدث إلا عندما تمد يدك وأمد يدي ليمسك كل منا بيد الآخر ونمضي سوية".
وذكر بأن العساكر يحاولون استغلال كون الشركس أقلية، وذلك عبر الحديث عن (الجيران العرب)، ولهذا قال لهم المختار: "إنهم ليسوا جيراننا بل أهلنا"، وذلك عندما سألوه عن مضايقة العرب لهم.
أخذ هذا الرجل يرتشف قهوته في أثناء جلوسه في شرفة بلدية بير عجم، وبجانبه جلس فؤاد إبراهيم الذي أخبرنا بأن الجيش الإسرائيلي حاول الاقتراب منه عدة مرات، فاعتبر تلك محاولة "لفصل الناس عن الدولة"، وأضاف: "[قلت لهم] تعاملوا [معي] من خلال دولتي، فحققوا السلام ووقعوا على اتفاقيات ومعاهدات، وإن تواصلتم مع الدولة السورية اليوم، أخبروهم بأنكم تريدون تقديم المساعدة، فهم لن يرفضوا ذلك حتماً".
كان إبراهيم يصغي لما يقوله عثمان، فتنهد كونه يدرك وضع البلد اليوم، وقال: "أدرك حجمي، لأنني أريد اليوم أن أقيم سلاماً، وأريد أن أجري مصالحة، وأن أوحد الشعب.. وحتى لو رفضنا [ما تمارسه إسرائيل]، فلن تكون لدينا أي قدرة على الرفض".
كانت ثلاث حبات فطر قُطفت حديثاً من الحقول المحيطة بالبلدية قد وُضعت على الطاولة أمامه، وعلى الجهة المقابلة من الطريق، كان راعيان يتحدثان وهما يراقبان نحو عشرة أبقار، وهنا أردف إبراهيم: "إننا نقبل بالواقع المفروض علينا".
تبعد بير عجم مسافة 5 كيلومترات عن قرية بريقة التي تقع عند خط وقف إطلاق النار مقابل مستوطنة (ألوني هبشان) الإسرائيلية في مرتفعات الجولان المحتلة. وفي آب 2025، عبرت مجموعة من المستوطنين الحدود فوصلت إلى منطقة قريبة من بريقة، ثم أقامت نقطة عسكرية ونصباً تذكارياً لجندي قُتل من الجيش، فتدخل الجيش الإسرائيلي وأعادهم إلى الأراضي الإسرائيلية.
بالنسبة للطبيب جمال عثمان الذي يعمل في مركز بريقة الطبي، فإن استمرار الوجود الإسرائيلي أفضل من وجود قوات نظام الأسد، ويقول: "لقد زرعت حواجز النظام الرعب في نفوسنا، أما التوغلات الإسرائيلية فصحيح أنها تقلقنا، لكنها لا تخيفنا".
تعود أصول جمال إلى الجزء المحتل من مرتفعات الجولان، وخلال فترة من الفترات عاش هو وأسرته في مخيمات النازحين بالحجر الأسود على تخوم دمشق، وعانوا الأمرّين خلال الحرب. ثم انتقل إلى الرويحينة بالقنيطرة وبنى بيتاً له هناك، لذا لم يعد يقلقه اليوم إلا أن يُجبره العساكر الإسرائيليون على النزوح مجدداً، وهذا ما دفعه إلى القول: "قبل حرب غزة، كان لدينا انطباع جيد جداً عن إسرائيل، كونها تمثل مجتمعاً ديمقراطياً أوروبياً وحقوق الإنسان فيه جيدة، ولكن منذ الحرب على غزة، تغيّر رأينا كلياً".
منذ سقوط النظام، أخذت إسرائيل تنصب حواجز طيّارة بشكل دوري على الطرقات، وتسيطر على بعضها، وتجبر الأهالي على اتخاذ طرق أطول للتنقل بين القرى. إذ عندما كنا في طريقنا إلى بريقة، أشار سائق سيارتنا نوار إلى مكان قريب من قرية جبا، وقال بلإن الجيش الإسرائيلي يقيم حاجزاً هناك في معظم الأوقات. ولكن بالنسبة لجمال، فإن رؤية العساكر الإسرائيليين باتت شيئاً مألوفاً، ولهذا قال: "إذا كنت أسير في درب ورأيت جندياً، سواء أكان سورياً أم إسرائيلياً، وطلب مني أن أسير بدرب أخرى، فسأفعل حتى لو كان ذلك صعباً علي".
غير أن إبراهيم أخبرنا بأن من يلتزمون بتلك الأوامر لا يتعرضون لمضايقات على حواجز التفتيش، وأضاف: "أحياناً تمر دورية، أو ينصبون حواجز على الطريق الرئيسي، وعندما يمر أي مواطن ويحييهم مبتسماُ، يرحبون به، ولكن إن عبس، فسيأتون به ليفتشوه، ويبدون انزعاجهم منه".
عندما قارن جمال بين العسكري السوري والإسرائيلي على الطريق، دفعه نوار للحديث عن نقطة معينة، فسأله عن الحق الذي يملكه العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية مقارنة بأي فرد من أفراد الأمن السوري، فرد على هذا السؤال عثمان بقوله: "هناك شيء يُعرف بسياسة الأمر الواقع، ويجب علينا احترامها".
عزت كارولين روز، المديرة السابقة لمعهد نيولاينز، أحد أسباب "الموقف التوسعي" الإسرائيلي في سوريا إلى رغبتها بالاحتفاظ بورقة ضغط خلال محادثاتها الجارية مع دمشق، وقالت: "لا شك أن في ذلك ورقة ضغط تحاول إسرائيل طرحها في تلك النقاشات"، وأضافت بأن هدف إسرائيل دفع سوريا للانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وإقامة منطقة خفض تصعيد، وتابعت: "إن كان بوسعها السماح لقوات الاحتلال وللمستوطنين بالقدوم إلى تلك المناطق، ولو كان بوسعها إقامة المزيد من الحواجز وتنفيذ اعتقالات جماعية، فإن كل تلك الأمور تمثل أوراق ضغط بوسعها استخدامها في المفاوضات مع دمشق".
مؤخراً، أخبرنا أحد معارفنا الدروز كيف وضعت زوجته مولودها في قرية حضر ذات الغالبية الدرزية بالقنيطرة، وتحدث عن قلة الخدمات الطبية في المنطقة، لكن إسرائيل توفر نقاطاً طبية متنقلة مرتين في الأسبوع، وذكرت روز بأن ذلك يمثل استراتيجية متعمدة "لكسب القلوب والعقول في المنطقة"، وأضافت: "تحاول [إسرائيل] أن ترسم خطوط جبهة واضحة للغاية في سوريا لتضمن عدم توحّد هذا البلد، مع إقامة تحوّطات ضد الإدارة السورية".
وذكرت روز بأن الانضمام للاتفاقات الإبراهيمية سيضر بصورة الرئيس أحمد الشرع في الداخل، وأضافت بأنها لاحظت أن تصريحات الحكومة ترفض في كثير من الأحيان الاتفاقيات الإبراهيمية، حتى بعد انتشار خبر اجتماع ضم الجانب السوري والإسرائيلي.
يرفض الصحفي زياد الفحيلي الفكرة القائلة بإن إسرائيل قادرة على احتلال القنيطرة، ويقول: "لن يغادر عربي أرضه، ولن أرتكب الخطأ الذي ارتكبه أقربائي في الجولان، بل سأعيش وأموت هنا"، وأضاف بأن هذا رأي أكثر من 90% من السكان.
غير أن توغل الجيش الإسرائيلي أثر على حياته، إذ حدثنا كيف كان يتجول بسيارته في منطقته عندما استوقفه عسكري إسرائيلي على حاجز تفتيش، وسأله إن كان موظفاً لدى الحكومة بما أن لوحة سيارته من إدلب، ثم سأله العسكري لماذا نوافذ سيارته مظللة، لأن ذلك ممنوع. ويتذكر الفحيلي كيف قالوا له: "نحن هنا بدل قوات الأسد". ويتابع: "أقسم بأني كنت أريد قول شيء لكني لم أستطع، فقد خفت أن أُعتقل أو يُفعل بي شيء".
يقع بيت هذا الصحفي بجوار مركز تعليمي يترأسه، وفي باحة البيت تنتصب شجرة زيتون، لكن تلك المساحة تحولت إلى موطن للقطط الضالة وبعض الدجاج.
يتابع الفحيلي بالقول: "كان علي أن أقول لهم: رحل الاحتلال الأسدي، فأتى الاحتلال الإسرائيلي مكانه".
لكن منذ تلك الحادثة، لم يعد الفحيلي يمر بذلك الطريق خوفًا من أن يعترضه العساكر الإسرائيليون.
في أثناء وجودنا في القنيطرة، أدركنا أن آراء الأهالي تشكّلت عبر سنوات الحرب والضائقة الاقتصادية، إذ منذ أمد بعيد وبيوتهم مسرح لقوى أجنبية. فغازي، مثلًا، الذي دعا العساكر الإسرائيليين إلى بيته وتناول معهم القهوة، يستخدم كلمة (الكيان) في معظم الأحيان للإشارة إلى إسرائيل، بما يخالف اعتبارها دولة، وقال في أثناء الحوار: "إسرائيل عدو".
لكن شاعت فكرة عبّر عنها معظم السكان تتمثل بالرغبة بالتعاون مع نهج الحكومة السورية، الذي تصفه روز بأنه: "عدم تحرك محسوب". وأضافت: "تنتهج دمشق سياسة صفر مشاكل وتعمل على تطبيقها من خلال وزارة الخارجية، وفي ذلك سبيل لمحاولة حفظ الأمن في البلد وتجنب أي مواجهة مباشرة مع دول مثل إسرائيل أو المقاتلين المدعومين إيرانياً الذين يعملون في المنطقة، وبذلك يمكنهم الاحتفاظ بالزخم الذي حققوه في الداخل".
في كانون الثاني 2026، أنشأت سوريا مع إسرائيل برعاية أميركية مجموعة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، ركزت في الوقت ذاته على خفض التصعيد في المنطقة. وتتضمن أهداف سوريا من هذه المجموعة ضمان سيادتها والتزام إسرائيل بوقف التدخل في شؤونها الداخلية.
في أواسط كانون الثاني، قال وزير الإعلام حمزة المصطفى في إحدى المقابلات إن سوريا: "لا يمكنها الانضمام للاتفاقات الإبراهيمية بما أن إسرائيل تحتل أرضنا، وخاصة مرتفعات الجولان"، مضيفاً: "وكما قال الرئيس، فإن الاتفاقات الإبراهيمية وُقّعت مع دول لا تحتل إسرائيل أراضيها"، ولم يعتبر ذلك خياراً على المدى القصير أو المتوسط.
أما بالنسبة للفحيلي، فإنه لا يمكن الاستمرار بسياسة "شعرة معاوية" مع العدوان الإسرائيلي، وهذا ما دفعه إلى القول: "قد يمنع الخوف الناس من التعبير عن آرائهم، لكن هذا الوضع لن يبقى مقبولاً إلى الأبد، لأنه لن يستمر، وفي حال انهيار الوضع لا سمح الله أو في حال تمكن الناس من القدوم من إسرائيل أو أي شيء من هذا القبيل، فإن الوضع سيستحيل جحيما بالنسبة لإسرائيل.. وإن كنتم تظنون أن الناس لا مشكلة لديهم معها، فهذا مستحيل، لأن الناس لديهم مشكلة مع أي قوة محتلة".