سياسة > بروكسل تستضيف أول حوار سوري - أوروبي: انفتاح مشروط بإصلاحات سياسية وحقوقية
2026-05-07
تستضيف العاصمة البلجيكية بروكسل، في 11 أيار الجاري، أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي والحكومة السورية، وذلك بعد أيام من اقتراح المفوضية الأوروبية الاستئناف الكامل للعمل بالاتفاقية المبرمة بين الجانبين منذ العام 1978.
ويرأس الاجتماع كل من المفوضة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ووزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في لقاء من المنتظر أن يضع إطاراً سياسياً للعلاقة في المرحلة المقبلة.
ويمثل الحوار أول منصة رسمية رفيعة المستوى منذ سقوط نظام الأسد المخلوع في 8 كانون الأول 2024، ويهدف إلى "إحراز تقدم نحو تطبيع العلاقات"، بالإضافة إلى تقييم دعم الاتحاد الأوروبي لمسارات الاستقرار والتعافي والانتقال السياسي.
وفي سياق ذلك، وعقب لقائها القائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن، محمد قناطري، أمس الأربعاء، شددت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الولايات المتحدة، جوفيتا نيليوبشينيه، على أن الاتحاد "يدعم مستقبلاً مستقراً وشاملاً وسلمياً للشعب السوري".
وذكر بيان المجلس الأوروبي أن الاجتماع سيكون "فرصة لإحراز تقدم نحو تطبيع العلاقات، وتقييم مختلف مسارات العمل المتعلقة بدعم الاتحاد الأوروبي لجهود السلطات السورية من أجل استقرار سوريا، والتعافي الاقتصادي، والانتقال السياسي الشامل".
وفي 17 نيسان الماضي، كشفت وثيقة داخلية، أعدها الجهاز الدبلوماسي للاتحاد وجرى تعميمها على الدول الأعضاء، اطّلعت عليها وكالة "رويترز" عن توجه أوروبي لفتح مرحلة جديدة من الانخراط مع سوريا، تبدأ بإطلاق حوار سياسي رفيع المستوى، واستئناف الاتصالات الرسمية بعد سنوات من الجمود.
ويشمل المسار أيضاً إعادة تفعيل اتفاقية التعاون الموقعة عام 1978، بما يعكس تحولاً في سياسة الاتحاد الأوروبي نحو مقاربة أكثر انفتاحاً، بالتوازي مع سعي دمشق لتعزيز اندماجها الدولي بعد رفع معظم العقوبات الغربية أواخر العام 2025.
ووفق الوثيقة، يخطط الاتحاد لإعادة صياغة نظام العقوبات بحيث يحافظ على أدوات الضغط مع تخفيف القيود التي تعرقل التعافي الاقتصادي، إلى جانب إطلاق مسار تعاون اقتصادي أوسع يشمل التجارة والاستثمار ودعم القطاع الخاص وتحسين بيئة الأعمال.
كما يتضمن التوجه الأوروبي العمل على تسهيل عودة اللاجئين بشكل "آمن وطوعي وكريم"، في ظل استضافة دول الاتحاد لأعداد كبيرة من السوريين، إضافة إلى تعزيز اندماج سوريا في مشاريع الربط الإقليمي في مجالات النقل والطاقة.
وتولي الوثيقة بعداً استراتيجياً لدور سوريا المستقبلي، من خلال دمجها في ممرات اقتصادية إقليمية تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا، خاصة في ظل التحولات التي فرضتها أزمة الطاقة العالمية.
كما تتضمن الوثيقة الأوروبية خططاً لدعم أمني يشمل تدريب الشرطة وتعزيز قدرات وزارة الداخلية والتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب دعم مسار دمج مؤسسات شمال شرقي سوريا ضمن الدولة، في إطار عملية انتقال سياسي أوسع.
بالتوازي مع ذلك، دعت منظمة " هيومن رايتس ووتش " الاتحاد الأوروبي إلى استثمار هذا الحوار كأداة ضغط حقيقية على السلطات السورية، محذرة من أن الالتزامات بالإصلاح "قد تكون بدأت تفقد زخمها" في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة، ومخاطر متزايدة بعودة الانتهاكات.
وفي رسالة وجهتها إلى المفوضة العليا للشؤون السياسية، شددت المنظمة على أن أي مسار تطبيع أو استئناف كامل للتعاون يجب أن يُربط بتقدم ملموس في ملفات العدالة والمساءلة، عبر اعتماد مقاربة "المزيد مقابل المزيد"، بحيث يكون توسيع العلاقة مشروطاً بإجراءات واضحة على الأرض.
وطالبت "رايتس ووتش" بإنشاء مسارات قضائية "مستقلة وذات مصداقية" لمحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة من جميع الأطراف، بما يشمل توسيع صلاحيات هيئة العدالة الانتقالية لتغطية الانتهاكات دون استثناء، وضمان تعاون دمشق مع آليات التحقيق الدولية، مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، ولجنة التحقيق الأممية.
كما دعت المنظمة الحقوقية إلى الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وإجراء إصلاح شامل للنظام القضائي، يتضمن إدراج الجرائم الدولية في القانون المحلي، وتعزيز مبدأ "مسؤولية القيادة" لضمان ملاحقة كبار المسؤولين، إلى جانب توفير حماية فعالة للشهود، وإشراك الضحايا في مسارات العدالة.
وعن قطاع الأمن، أكدت المنظمة ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي شهدتها بعض المناطق خلال عام 2025، ومحاسبة المسؤولين عنها، بما في ذلك القيادات العسكرية، مع اعتماد إصلاحات هيكلية تضمن الرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية، وتنقية صفوفها من المتورطين في الانتهاكات.
أما على مستوى الحريات العامة، دعت المنظمة إلى رفع القيود المفروضة على عمل المجتمع المدني، وضمان بيئة آمنة للمنظمات المستقلة، إلى جانب حماية حقوق التعبير والتجمع والتنقل، ووقف الاعتقالات التعسفية وأشكال القمع الأخرى.
وفي ملف إعادة الإعمار، شددت المنظمة على ضرورة أن ترافق أي مساعدات أوروبية آليات رقابة صارمة، لضمان عدم استخدامها بشكل تمييزي أو سياسي، محذرة من الدفع نحو عودة اللاجئين قبل توافر شروط "آمنة وكريمة ومستدامة".
وعلى الصعيد الإقليمي، دعت "رايتس ووتش" الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، بما في ذلك فرض عقوبات على الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات.
تعود جذور اتفاقية التعاون بين سوريا والمجموعة الاقتصادية الأوروبية إلى عام 1978، ضمن إطار "اتفاقيات التعاون المتوسطي" التي سعى من خلالها التكتل الأوروبي إلى بناء شراكات اقتصادية وسياسية مع دول جنوبي المتوسط.
وركزت الاتفاقية مع سوريا على تسهيل التبادل التجاري، ولا سيما منح المنتجات الصناعية السورية دخولاً تفضيلياً إلى الأسواق الأوروبية، مقابل انفتاح تدريجي للسوق السورية على السلع الأوروبية.
كما تضمنت بنوداً للتعاون المالي والفني، شملت تمويل مشاريع تنموية وبنى تحتية، ودعم قطاعات الإنتاج، في محاولة لتعزيز اندماج الاقتصاد السوري مع الفضاء الأوروبي.
لاحقاً، سعى الطرفان إلى تحديث الإطار عبر التفاوض على اتفاقية شراكة أوسع في العقد الأول من الألفية، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بسبب تحفظات أوروبية مرتبطة بالوضع السياسي وملفات حقوق الإنسان، وبقيت في إطار محدود للتبادل التجاري والتعاون الفني عبر اجتماعات ولجان مشتركة.
بعد عام 2011، جمّد الاتحاد الأوروبي معظم قنوات التعاون مع فرض عقوبات على مختلف مؤسسات ورموز نظام الأسد المخلوع، لتبقى اتفاقية 1978 مرجعية قانونية قائمة لكنها شبه معطّلة عملياً.