سياسة > تقرير للشبكة السورية يرصد تحديات دمج الفصائل المسلحة في الجيش الوطني
2026-05-14
أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم الخميس، تقريراً بعنوان "إعادة دمج وإصلاح الجماعات المسلحة في سوريا في المرحلة الانتقالية: مسارات نحو استقرار مستدام"، تناولت فيه التحديات القانونية، والعملياتية، والسياسية، والإقليمية المرتبطة بعملية إعادة الإدماج، واستعرضت خارطة طريق وإطاراً عملياً لإدماج الفصائل بفعالية ضمن جيش وطني موحد، مؤكدة أنَّ نجاح هذه العملية يُعد شرطاً أساسياً لأي تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
ووفق مدير الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، فإن التقرير يبيّن أنَّ إعادة دمج المقاتلين وإصلاح قطاع الأمن لن ينجحا إلا ضمن معادلةٍ متزامنة: نزعِ السلاح والتسريحِ وإعادةِ الإدماج، وعدالةٍ تُحاسِب على الجرائم الجسيمة دون عفوٍ شاملٍ مُفرِّغ، واقتصادٍ يوفر بدائلَ عيش واقعية؛ إنَّ الملكيةُ الوطنيةُ الشفافة، بمشاركةٍ فعّالةٍ للضحايا والنساء والشباب، هي الطريقُ لبناءِ قواتٍ مهنيةٍ خاضعةٍ لرقابةٍ مدنيةٍ تخدم جميعَ السوريين وتُسهم في استقرار الإقليم.
تواجه عملية إعادة دمج الجماعات المسلحة في هيكل وطني عسكري موحّد، وفق التقرير، جملة من التحديات القانونية والتنظيمية واللوجستية المتداخلة، التي قد تُعيق نجاح عملية الانتقال السياسي إذا لم تُعالَج بشكل جذري. من أبرز هذه التحديات:
1. العقبات القانونية والبنيوية
تشمل هذه العقبات مخاوف المقاتلين السابقين من الملاحقة القانونية، ما قد يدفعهم إلى التمسك بسلاحهم والحفاظ على مناطق نفوذهم. ويُضاف إلى ذلك خطر توظيف القوانين المحلية لأغراض انتقامية أو سياسية، ما يكرّس العدالة الانتقائية ويهدد الاستقرار.
كما أشار التقرير إلى التفاوت الكبير في الهياكل القيادية بين الفصائل المسلحة، مما يُعقّد جهود التوحيد المؤسسي ويتطلب تحولات ثقافية وتنظيمية قد تُواجَه بالرفض من قادة ميدانيين اعتادوا على الاستقلالية. كذلك أُبرزت التحديات التشغيلية واللوجستية الناجمة عن تنوّع مصادر التسليح وتفاوت مستويات التدريب بين الجماعات المختلفة.
2. التدخلات الخارجية
أوضح التقرير أنَّ الاستثمارات المكثفة من قوى إقليمية ودولية في الجماعات المسلحة السورية حوّلت كثير من هذه الفصائل إلى أدوات لأجندات خارجية، مما يصعّب محاولات إدماجها في هيكل وطني موحّد. فالقوى الإقليمية تنظر إلى هذه الجماعات كامتدادات لنفوذها السياسي، ومن غير المرجّح أن تتنازل عن تأثيرها بسهولة. أما التدخل الدولي، فحوّل سوريا إلى ساحة تنافس استراتيجي عالمي، حيث تسعى قوى كبرى إلى تحقيق أهداف متعارضة، مما يُعقّد عملية التوافق الداخلي على مسار الإدماج.
3. الانقسامات الهوياتية والأيديولوجية
أكد التقرير أنَّ الانقسامات الطائفية والإثنية المتجذّرة، إلى جانب التباينات الأيديولوجية الحادّة، تمثل أحد أبرز التحديات في طريق إعادة الإدماج. إذ باتت الجماعات المسلحة تُجسّد هويات فرعية متنازعة، تعبّر عن رؤى متباينة لمستقبل الدولة، بما يشمل شكل الحكم، ودور الدين، والتحالفات الإقليمية.
4. أزمة الثقة
تُعد أزمة الثقة بين الفصائل المسلحة، وبينها وبين المجتمعات المحلية أو الجهات الحكومية، تحدياً أساسياً. فقد أدّت سنوات من الصراع الداخلي والاقتتال البيني وتقلّب الولاءات إلى ترسيخ انعدام الثقة، لا سيما في ظل تجارب سابقة لمحاولات توحيد انتهت بالفشل.
كما تُقوّض مخاوف المقاتلين من التهميش أو الاستهداف بعد نزع السلاح ثقتهم بأي هياكل أمنية مستقبلية أو العملية السياسية ككل.
5. التحديات الاقتصادية
تشهد البلاد نقصاً حاداً في الموارد المطلوبة لتنفيذ برامج شاملة للتسريح وإعادة التأهيل. ويُفاقم المشهد غياب بدائل اقتصادية مجدية، حيث أصبح القتال مصدر الدخل الأساسي لآلاف الشباب الذين يفتقرون إلى المهارات المدنية القابلة للتوظيف. وحذّر التقرير من أنَّ تسريح هؤلاء دون توفير فرص عمل حقيقية قد يدفعهم نحو الجريمة أو العودة إلى صفوف الفصائل المسلحة.
وأشار التقرير إلى أنَّ برامج الإدماج تتطلب تمويلاً كبيراً، يصعب توفيره في ظل هشاشة مؤسسات الدولة وتراجع القدرة التمويلية للمانحين الدوليين.
6. التحديات الاجتماعية والتكامل المجتمعي
بحسب التقرير، يُشكل رفض المجتمع للمقاتلين السابقين عقبة رئيسة في وجه الإدماج، إذ كثيراً ما يُحمّل هؤلاء مسؤولية المعاناة والعنف، حتى وإن لم يرتكبوا انتهاكات مباشرة. وتُرافق هذه الوصمة عملية نبذ اجتماعي تطال عائلاتهم أيضاً، مما يدفعهم إلى التمسك بالجماعة كمصدر للحماية والانتماء.
كما أنَّ عودة المقاتلين إلى مجتمعات متضررة قد تُثير ردود فعل انتقامية، ما يجعل عملية الإدماج محفوفة بمخاطر تجدد العنف، ما لم تقترن بخطوات جادة نحو تحقيق العدالة والمصالحة المجتمعية.
قدم التقرير خارطة طريق تهدف إلى ضمان نجاح عمليات إعادة الدمج والإصلاح، من خلال تبنّي مقاربة شاملة ومتوازنة تراعي تطلعات المرحلة المقبلة، وتنسجم مع التحديات الميدانية والقيود المفروضة على الموارد.
1. تصميم عملية شاملة
أوصى التقرير بتطوير عملية متكاملة تضمن انخراطاً فعّالاً لجميع الأطراف المعنية، بما فيهم ممثلو الجماعات المسلحة، المجتمعات المحلية، منظمات المجتمع المدني، الضحايا، النساء، والشباب. كما شدد على أهمية تبني آليات مشاركة مرنة تأخذ في الحسبان الحساسيات السياسية والأمنية، مثل تشكيل لجان تخطيط مشتركة.
كما أكد التقرير ضرورة اعتماد إجراءات شفافة تضمن النزاهة والمساءلة في مراحل إعادة الإدماج والإصلاح كافة، بما يشمل توفير آليات استئناف فعّالة تتيح الاعتراض العادل، وضمان الشفافية المالية والإدارية عبر نشر الميزانيات، وتفعيل الرقابة المستقلة، وإصدار تقارير دورية حول الإنفاق العام.
2. العدالة والمصالحة
أكد التقرير ضرورة معالجة الانتهاكات السابقة من خلال مقاربة متعددة الأبعاد تراعي الاعتبارات القانونية والاجتماعية، وتشمل ما يلي:
• المساءلة المتمايزة: الاعتراف بتفاوت مستويات المسؤولية، مع التركيز على محاكمة المسؤولين الرئيسين عن الانتهاكات، مقابل تطبيق آليات عدالة بديلة في القضايا الأقل خطورة.
• العفو المشروط: تطبيق برامج عفو مشروط تستهدف فئات محددة، على أن ترتبط بشروط مثل الإفصاح الكامل والمشاركة النشطة في جهود المصالحة.
• العدالة التقليدية والعرفية: دعم آليات محلية لتسوية النزاعات البسيطة بما يتوافق مع الأعراف المجتمعية.
• برامج التعويض: تقديم تعويضات فردية وجماعية، إلى جانب خدمات مخصصة للضحايا، مع ربط المشاركة المجتمعية بجهود إعادة الإدماج.
• تحديد النطاق الزمني: حصر نطاق المساءلة في الفترة الممتدة من 2011 حتى 2024، لضمان التركيز والفعالية.
ولضمان فعالية هذا المسار، اقترح التقرير مجموعة من الأطر القانونية المنظمة:
• إطار قانوني متكامل: يشمل قوانين العفو، حقوق المحاربين القدامى، استرداد الممتلكات، مع التنسيق بين القوانين لتفادي التناقضات.
• الامتثال للقانون الدولي: إشراك خبراء دوليين لضمان اتساق الأطر المحلية مع المعايير الدولية.
• آليات قضائية متخصصة: إنشاء دوائر قضائية ومحاكم متنقلة لضمان وصول العدالة إلى المناطق النائية.
• المساعدة القانونية: توفير دعم قانوني مجاني للمقاتلين السابقين والضحايا، لتمكينهم من معرفة حقوقهم وضمان عدالة الإجراءات.
3. إصلاح قطاع الأمن
سلّط التقرير الضوء على ضرورة بناء هيكل أمني موحّد تدريجياً، يرتكز على عقيدة عسكرية مهنية قائمة على الانضباط والحياد، مع ضمان عدم احتكار مواقع القيادة من قبل أي مكون عرقي أو سياسي.
وشملت التوصيات المهنية والإجرائية ما يلي:
• برامج تدريب عسكري شاملة: تغطي المهارات التكتيكية، المبادئ الأخلاقية، قانون النزاعات المسلحة، وحقوق الإنسان.
• مدونات سلوك ملزمة: تُطبّق بصورة متساوية وتعزز الثقة والاحترافية في المؤسسة الأمنية.
• إجراءات تشغيل موحدة: تنظم عمل نقاط التفتيش، الاحتجاز، استخدام القوة، وغيرها.
• نظام ترقيات قائم على الجدارة: يستند إلى معايير شفافة ويُقصي الولاءات السياسية.
• شراكات تدريب دولية: تُستخدم لتعزيز الاحتراف ضمن مجالات متخصصة دون الاعتماد على نموذج خارجي واحد.
• تدريب أخلاقي خاص: يهدف إلى تطوير الضوابط الداخلية، بالتعاون مع جهات دينية وفلسفية للحد من الانتهاكات.
وأكد التقرير على أهمية الرقابة البرلمانية الفعالة على القطاع الأمني، بما في ذلك صلاحيات التحقيق، الموافقة على الميزانيات، وإقرار التعيينات، إضافة إلى إنشاء هيئات رقابية مستقلة لضمان الشفافية والمساءلة.
4. التكامل الاقتصادي
أوصى التقرير بضرورة توفير مسارات اقتصادية مستدامة للمقاتلين السابقين، من خلال:
• إشراكهم في برامج إعادة الإعمار، واستصلاح الأراضي الزراعية، ودعم المشاريع الصغيرة.
• توظيفهم في قطاعات مدنية حيوية مثل الصناعة، الخدمات، الأمن الخاص، والدفاع المدني.
• تقديم تدريبات مهنية شاملة، مدعومة بحوافز تشجيعية.
كما شدد على ضرورة توفير دعم متكامل يشمل:
• مساعدات مالية مؤقتة.
• رعاية صحية جسدية ونفسية.
• برامج إسكان في بيئات مجتمعية مندمجة تساهم في كسر العزلة وإعادة الاندماج المجتمعي.
5. الدعم الدولي
أكد التقرير على أهمية الدعم الدولي في تسهيل عمليات إعادة الإدماج، من خلال:
• المساعدة الفنية: دعم تقني يشمل تبادل الخبرات، تطوير القطاع الأمني، نقل تقنيات نزع السلاح، وتعزيز القدرات المحلية، مع احترام السيادة الوطنية.
• آليات التمويل: إنشاء صناديق استئمان بحوكمة مشتركة، تقديم دعم مباشر للمؤسسات السورية، وتمويل يعتمد على النتائج ويُشرك القطاع الخاص المحلي.
• الرصد والتقييم: تأسيس هيئات رقابية مستقلة بمشاركة محلية ودولية، تعتمد تقنيات رقمية متقدمة لجمع البيانات وتحليلها مع الحفاظ على الخصوصية.
التوصيات
وفي ختام التقرير، قدّمت الشبكة السورية مجموعة من التوصيات الموجّهة إلى مختلف الجهات الفاعلة لدعم مسار إعادة الدمج والإصلاح، أبرزها:
أولاً: للحكومة السورية
• إنشاء لجنة وطنية شاملة معنية بملف إعادة الإدماج.
• تطوير إطار قانوني متكامل للإصلاح والإدماج.
• تشكيل وحدات عملياتية مختلطة لتعزيز بناء الثقة.
• اعتماد آليات شفافة للتدقيق والمساءلة.
• إعطاء أولوية قصوى لإعادة الإدماج الاقتصادي.
• تأسيس مؤسسات تعليمية عسكرية احترافية.
• تطبيق نهج تدريجي للتكامل الجغرافي.
• التعامل الشامل مع الاحتياجات النفسية والاجتماعية للمقاتلين.
• ضمان مشاركة فاعلة للمرأة في عمليات الإدماج والإصلاح.
• تطوير آليات رقابة مدنية فاعلة ومستقلة.
ثانياً: للمجتمع الدولي
• تنسيق الجهود الدبلوماسية لضمان شمولية العمليات السياسية.
• تقديم مساعدات فنية مستدامة في المجالات التقنية والأمنية.
• إنشاء آليات لحماية العملية وضمان استمراريتها.
• معالجة المخاوف الأمنية الإقليمية بصورة بنّاءة.
• دعم مسارات العدالة الانتقالية.
• تسهيل عودة اللاجئين والنازحين، مع ربط ذلك بإعادة الإدماج.
• الحفاظ على حظر الأسلحة المفروض على الجماعات غير الحكومية.
• دعم المجتمع المدني السوري بشكل مستقل وفعّال.
ثالثاً: لمنظمات المجتمع المدني
• تجسير الهوة بين المكونات من خلال مبادرات حوارية مستدامة.
• رصد وتوثيق عمليات إعادة الإدماج وتقييم أثرها.
• الدفاع عن حقوق الضحايا وتعزيز آليات الجبر.
• تقديم خدمات مباشرة تساهم في الإصلاح والإدماج.
• دعم التماسك الاجتماعي عبر مبادرات مجتمعية شاملة.
• مواجهة خطاب الكراهية والتمييز بجميع أشكاله.
• تعزيز مشاركة المرأة وحمايتها، إلى جانب إنشاء منصات لتمكين الشباب.
• تطوير آليات محلية لحل النزاعات بشكل سلمي.
• بناء شبكات شراكة محلية من أجل مشاركة مجتمعية مستدامة.