سياسة > إسرائيل واستراتيجيتها العسكرية المتمثلة بالمناطق العازلة
2026-07-15
من قلعة الشقيف جنوبي لبنان، حيث تتمركز قوات إسرائيلية منذ العملية العسكرية التي شنتها إسرائيل ضد "حزب الله"، يستعرض تحليل لصحيفة "وول ستريت جورنال" ملامح الرؤية الأمنية والاستراتيجية التي تقول إسرائيل إنها اعتمدتها عقب هجمات السابع من تشرين الأول 2023. ويتناول التقرير، من خلال مقابلة مع أحد ضباط الفرقة 36 مدرعات، الكيفية التي تنظر بها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى وجودها في جنوبي لبنان، وإلى مفهوم "المناطق العازلة" على الحدود، كما يستعرض تقييمها للتهديدات التي ترى أنها تواجهها من إيران وحلفائها، باعتبار ذلك الإطار الذي يحكم سياساتها وانتشارها العسكري على حدود لبنان وسوريا وقطاع غزة.
يعرض موقع سوريا اكسبو ترجمة هذه المادة ضمن إطار تغطيته للملفات المعنية بسوريا، من دون أن يعني ذلك تبنّي موقف الجهة الناشرة أو الآراء الواردة فيها.
بعد أن أصبحت الفرقة 36 مدرعات التابعة للجيش الإسرائيلي تسيطر على الجنوب اللبناني منذ شهر أيار الماضي، إثر عملية موسعة شنتها إسرائيل ضد "حزب الله"، أصبح علم "لواء غولاني" للمشاة يرفرف اليوم فوق برج قلعة الشقيف الذي يعود للقرن الثاني عشر، ويمثل "لواء غولاني" أحد تشكيلات القتال البري التابعة للفرقة. ومن هناك، أجريت مقابلة مع أحد ضباط الفرقة 36 مدرعات في الجيش الإسرائيلي، فصرح بالقول: "سنبقي السكين على رقبة حزب الله، إلى أن تظهر لنا مؤشرات على قيام الجيش اللبناني بنزع سلاح الحزب".
كانت مناورة الفرقة 36 من أشد العمليات البرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي تعقيداً خلال السنوات القليلة الماضية، فقد شملت تلك العملية بسط السيطرة على شبكة معقدة من الأنفاق وتدميرها، والتي بنيت لصالح "حزب الله" بدعم من إيران، ونفذت على يد مهندسين من كوريا الشمالية خلال العقد الماضي.
بيد أن العملية لما تنته بعد، إذ على الرغم من الإحساس بالفخر الذي عبر عنه قادة الفرقة بالنسبة لأداء قواتهم، فقد جاء وقف إطلاق النار في حزيران بين "حزب الله" وإسرائيل في وقت ما يزال بعض عناصر الحزب متحصنين داخل نفقين خارج النبطية التي تعتبر معقل لهم. ولهذا لا يتوقع قادة الفرقة الإسرائيلية المتمركزة في قلعة الشقيف لوقف إطلاق النار هذا أن يصمد، كما لا يعلق أي منهم الأمل على توقيع اتفاق مع الحكومة اللبنانية.
يمثل الانتشار الإسرائيلي في الجنوب اللبناني جزءاً من استراتيجية أوسع خرجت بها إسرائيل منذ هجوم حماس في السابع من تشرين الأول 2023، وتقوم على إقامة مناطق سيطرة إسرائيلية على الحدود التي تفصل بينها وبين الحدود المحيطة.
توصف العمليات العسكرية الإسرائيلية عادة بأنها محكومة بضرورات تكتيكية آنية وبأنها تفتقر في بعض الأحيان إلى رؤية استراتيجية أوسع، وكثيراً ما يشكك الإسرائيليون أنفسهم في عملية التخطيط الإسراتيجي، فالكلمة العبرية (كونسيبتزيا) تعني التصور أو المفهوم ومن المفترض أن تشير إلى صيغة ذكية، غير أنها لا تفضي إلا لمصيبة. وخلف المناطق العازلة التي أقيمت في لبنان وغزة وسوريا اليوم ثمة مجموعة من الأفكار الضمنية على الأقل، وهذه الأفكار تنطلق من واقع مظلم، ولهذا تطرح استجابة ملموسة وعملية تجاهه.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، خاضت إسرائيل مواجهات مع عدد من الدول والأطراف. ووفق هذا التصور، تبدو فرص التوصل إلى تفاهمات دبلوماسية محدودة، في ظل تباعد المصالح وغياب الثقة بين الأطراف، ما يدفع كل جهة إلى التمسك بأولوياتها ورؤيتها الخاصة للصراع.
يتعارض النهج الإسرائيلي مع فكرة الغرب حول الوضع في تلك المناطق وفي الشرق الأوسط عامة، بما أن الغرب يركز بصورة رئيسية على إيران وحلفائها، وعلى رأسهم "حزب الله" وحركة "حماس". في حين أن المحور السني الذي يتمحور حول تركيا وقطر وباكستان يعتبر مصدراً للقلق هو أيضاً، ومن وجهة نظر إسرائيل التي تخالف الموقف السياسي الأميركي الحالي، فإن هذا المحور يشمل النظام الناشئ للرئيس أحمد الشرع في سوريا.
يعتبر السياسيون الإسرائيليون أن حملات العلاقات العامة المحيطة بالرئيس السوري لا تعبر عن الصورة الكاملة، خاصة بعد أحداث محافظة السويداء خلال تموز من عام 2025. كما يتحدثون عن وجود عناصر متشددة تحتل مناصب رفيعة في المؤسسة العسكرية التي يبنيها الرئيس أحمد الشرع برعاية تركيا. لذا، فإن إبقاء مسافة أمان بين إسرائيل وقوة من هذا النوع يؤكد تلك الفكرة، وما يترتب عليها من عمليات.
يختلف تهديد اليوم عن ذلك الذي ساد قبل أكثر من عشرين عاماً، خلال ما عُرف بـ"الحرب العالمية على الإرهاب". ففي ذلك الوقت، كان الخطر يتمثل في تنظيمات وشخصيات مثل أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة الذي قاده، وصولاً إلى تنظيم الدولة بقيادة أبي بكر البغدادي.
أما اليوم، فلم تعد هذه الجماعات الصغيرة والمستقلة تمثل سوى تهديد محدود في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، إذ بات التركيز ينصبّ على تكتلات تقودها دول وتتبنى أفكاراً متقاربة، لكنها تتمتع بقدرات أكبر وتنظيم أكثر تماسكاً مقارنة بالتنظيمات التقليدية. ويمثل التحالف الذي تترأسه إيران أحد هذه التكتلات، كما يمثل المحور الناشئ الذي تترأسه تركيا، الذي قد يعمل على استقطاب السعودية، تكتلاً آخر في هذا السياق.
تراقب إسرائيل صعود هذين التكتلين وتوسعهما وأهدافهما، وتعمل على إقامة حواجز تحول دون اقترابهما. ومن قلعة الشقيف، لخص أحد ضباط "لواء غولاني" تلك الفكرة بقوله: "إن وجودنا هنا ليس خياراً، بل واجب، إذ ينبغي أن يقف جندي من الجيش الإسرائيلي حائلاً بين أي مواطن إسرائيلي وأي تهديد محتمل".
ويرى منتقدو هذا النهج أنه يدفع نحو قيام حروب أبدية، ولكن تلك الحروب، كما كل الحروب، لا يقررها طرف واحد، وقد لا تكون لدى أحد الأطراف رغبة في خوض حرب طويلة، ولكن إن سعى العدو لتدمير ذلك الطرف والقضاء عليه، فلابد له أن يخطط ويتصرف على أساس ذلك، وهذا ما يدفع إسرائيل لنشر قواتها في قلعة الشقيف، وعلى الحدود مع لبنان وسوريا وغزة.