سياسة > قائد عملية "الجار الصالح" يدعو إسرائيل لعدم استنساخها مرة أخرى في سوريا
2026-07-25
أثارت عملية "الجار الصالح" التي أطلقتها إسرائيل خلال فترة الحرب في سوريا جدلا كبيرا، وفق إعلام عبري وأجنبي، إذ كان هدفها المعلن تقديم مساعدات للسوريين القاطنين قرب الحدود الإسرائيلية، غير أن بعض الباحثين والمراقبين رأوا أنها تسعى لتحقيق أهداف أمنية واستراتيجية، وعلى رأسها تعزيز الاستقرار على الحدود وإقامة علاقات مع المجتمعات المحلية في الجنوب السوري.
وفي هذه القرى الموزعة بين ريف دمشق والقنيطرة، والتي يقطنها آلاف من الدروز إلى جانب مكونات أخرى، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تظهره التصريحات السياسية، فبينما ترفض غالبية الفعاليات المحلية أي علاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، تتزايد المخاوف من الفراغ الذي خلّفه ضعف حضور الدولة، ومن محاولات استغلاله لترسيخ نفوذ جديد في المنطقة. وفق تقرير أعده سابقا موقع سوريا اكسبو.
وتعرض الوكالة اليهودية للأنباء، وجهة نظر إيال درور، الذي خدم في الجيش الإسرائيلي على مدار ثلاثة عقود، ولعب دوراً أساسياً في إطلاق وقيادة عملية الجار الصالح، ويحتفظ هذا الرجل اليوم برتبة ضابط احتياط في فرقة الجولان المعنية بجزء من الحدود الشمالية لإسرائيل، ولديه خبرة كبيرة في العمليات العسكرية وإدارة المناطق الحدودية، كما ألف كتاب: "احتضان العدو: قصة المهمة الإنسانية السرية التي نفذتها إسرائيل لإنقاذ المدنيين السوريين من الحرب"، وقد أصبح هذا الرجل يلقي محاضرات داخل إسرائيل وخارجها حول الأمن والشرق الأوسط والمساعدات الإنسانية والقيادة والصمود بالنسبة للمجتمعات المحلية.
يعيش درور اليوم مع أسرته في مستوطنة إسرائيلية قريبة من الحدود اللبنانية، ومن خلال تجربته السابقة في عملية الجار الصالح، كتب عبر وكالة Jerusalem News Syndicate مقالة عبر فيها عن رأيه بفكرة العودة لتنفيذ عملية مماثلة، وما سيترتب على ذلك من تبعات وعواقب، إلى جانب التطرق لأهمية التوصل إلى ترتيبات مع الحكومة السورية الجديدة بالنسبة لملف الجنوب السوري.
في تلك المقالة، يتحدث درور عن قيادته لعملية "الجار الصالح" من عام 2016 حتى عام 2018، والتي حسب زعمه قدمت من خلالها إسرائيل "مساعدات للسوريين المتضررين من الحرب في بلدهم، وشملت تلك المساعدات تقديم المعالجة الطبية في الداخل الإسرائيلي، وتوزيع الأدوية والأغذية والوقود والمعدات المدنية، بالإضافة إلى دعم المشافي والمستوصفات في الداخل السوري".
وبالحديث عن تلك الفترة، يقول درور لوكالة الأنباء اليهودية: إنه كان بوسع إسرائيل تنفيذ تلك العملية بما أن الدولة أيام نظام الأسد لم تعد حاضرة في أجزاء شاسعة من الجنوب السوري، بعد أن فقد الأسد السيطرة على مساحات كبيرة من البلد، في حين أصبحت المجتمعات المحلية وفصائل المعارضة تدير شؤون الحياة اليومية بصورة مستقلة، وهذا ما سمح لإسرائيل برأيه: "بالتواصل معها مباشرة من دون المرور عبر دمشق، إلا أن ذلك الواقع لم يعد موجوداً، فمنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، وانتهاء الحرب في سوريا، سعى الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، لتركيز السلطة السياسية والعسكرية في دمشق، بيد أن سيطرة حكومته لم تكتمل بعد، ومع ذلك فإن معظم مراكز النفوذ السنية في الجنوب السوري لم تعد تعمل بصورة مستقلة كما لم يعد أي منها يحتفظ بعلاقات منفتحة على إسرائيل، بعد أن دُمج معظمها ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، بل حتى في المناطق التي مايزال سكانها منفتحين على التواصل مع إسرائيل، صارت دمشق تصور تلك العلاقات على أنها خيانة، وتصف تلك المجتمعات بأنها متعاونة مع إسرائيل، ولذلك، فإن تشجيع السوريين على اتخاذ موقف معارض لحكومة بلدهم يمكن أن يعرض للخطر الفئة نفسها من الناس الذين تسعى إسرائيل لمساعدتهم".
في ظل هذا الواقع الجديد، يرى درور بأنه "لم يعد بوسع إسرائيل إطلاق عملية "الجار الصالح" من جديد بشكلها الأصلي"، وهذا ما يدفعه للتساؤل عن الطريقة التي يمكن من خلالها للمبدأ الذي قامت عليه العملية أن يتكيف مع واقع بات بموجبه تجاوز دمشق أمراً مستحيلاً.
ويخبرنا بأن المبدأ يتلخص بفكرة بسيطة وهي: (استقرار المدنيين مكسب أمني)، ويشرح ذلك بقوله: "عندما تتوفر الخدمات الأساسية وفرص العمل للسكان، يصعب على الجماعات الجهادية والعصابات الإجرامية والميليشيات الأجنبية استقطابهم أو تجنيدهم. صحيح أنهم قد لا يصبحون حلفاء لإسرائيل، إلا أن ذلك يمكن أن يحول دون تمكن أعداء إسرائيل من ترسيخ وجودهم في المناطق القريبة منها".
بناء على كل ذلك، لا يرى درور أي جدوى في إطلاق عملية "الجار الصالح 2"، لأنه بات من واجب إسرائيل وضع سياسة جديدة تربط الجانب المدني بالأمني في الجنوب السوري، وهذه السياسة يجب تقوم على ثلاثة مرتكزات برأيه وهي:
أولاً: دمج استقرار المدنيين ضمن أي ترتيبات أمنية قد يتم التوصل إليها مستقبلاً بين دمشق وإسرائيل، ويشترط "ألا يتمثل هذا الدمج بإعلان يتسم بالغموض، إنما بالتزام متبادل قابل للقياس".
ويتحدث درور عن دخول سوريا وإسرائيل في محادثات بوساطة أميركية، تركزت على الوجود العسكري والمناطق العازلة والالتزامات الأمنية، لكنه يرى بأن "أمن الجنوب السوري لا يقاس بعدد الجنود أو الدبابات التي تنشر على الحدود فحسب، إذ يمكن لإسرائيل أن تنقل إلى سوريا معارف غير حساسة في مجال الزراعة والطب البيطري، ويشمل ذلك برامج التطعيم، وتقنيات الري، وإدارة الجفاف. وبالمقابل، يجب على سوريا أن تلتزم بتعهدات يمكن التحقق من تنفيذها، مثل حذف المحتوى المعادي لإسرائيل من مناهجها الدراسية الرسمية، بعد عقود من التعبئة الأيديولوجية ضدها في ظل حكم آل الأسد".
وبرأي درور فإن تلك الترتيبات "لا تقوم على الثقة، بل على إجراءات قابلة للتحقق، إذ يمكن التحقق من تنفيذ برامج التطعيم، كما يمكن مراجعة الكتب المدرسية وفحص محتواها"، ويقترح ألا تمول إسرائيل عملية إعادة الإعمار في سوريا وألا ترسل أي أموال إليها من دون إشراف أو رقابة، كما يقترح على إسرائيل ربط أي تنازل أمني أو اقتصادي أو دبلوماسي بتحقيق تقدم ملحوظ وقابل للقياس.
وبالعودة إلى مرتكزات السياسة الإسرائيلية الجديدة، يرى درور بأنه لابد لإسرائيل أن تعمل من خلال وسطاء، إذ بدلاً من مطالبة القيادات المحلية بالوقوف ضد دمشق، يرى بأنه يمكن لإسرائيل "تقديم مساعدات مدنية عبر الولايات المتحدة والأردن ودول الخليج والمنظمات الدولية، بما أن لدى الأردن مخاوف أمنية مباشرة على حدوده مع سوريا، ولدى دول الخليج نفوذ اقتصادي فيها، في حين يمكن للولايات المتحدة ربط الترتيبات الأمنية بحوافز سياسية واقتصادية".
ويتابع بالقول: "لا حاجة لتلك المساعدات أن تحمل بصمة إسرائيلية واضحة، فقد تعلمت من خلال تجربتي في عملية الجار الصالح بأن المساعدات مجهولة الهوية تنسب مباشرة لإسرائيل، والأهمية هنا لا تكمن في كشف المصدر أو إخفائه، بل في التمييز بين المساعدات التي يتعرف الناس على مصدرها بهدوء، وبين الوجود الإسرائيلي العلني الذي يجبر دمشق على الرد بشكل علني، أي أن الهدف ليس السرية بقدر ما هو تقدير الوضع والتعامل معه بحذر".
أما المرتكز الثالث برأيه فيتمثل باحتفاظ إسرائيل بمقدرّات إنسانية لحالات الطوارئ، وعن ذلك يقول: "يجب على إسرائيل الاحتفاظ بقنوات للمعلومات، وإمكانيات طبية، وخطط للطوارئ وذلك لمجابهة أي سيناريو محتمل، ولهذا يجب تخصيص أصول للطوارئ وليس شبكة دائمة من العناصر الفاعلة المحلية المتعاونة مع إسرائيل".
وبالحديث عن السويداء، يرى درور بأنه لابد من مراعاة مدينة السويداء وسكانها الدروز بشكل خاص، بما أن "القوات الدرزية هناك ماتزال تسيطر بشكل كبير، كما أن إسرائيل لا يمكنها تجاهل التهديد الحقيقي الذي يواجهه الدروز، لاسيما في ظل وجود ما يربطهم بدروز إسرائيل" ويتساءل كيف يمكن حماية الدروز من دون أن يؤثر ذلك بصورة سلبية على موقفهم ومكانتهم على المدى البعيد.
ويعترف درور بأن الدعم العلني الإسرائيلي أسهم بزيادة العزلة التي يعاني منها المجتمع الدرزي داخل سوريا، بعد أن أصبحت "شرائح كبيرة من الشارع السوري تنظر إلى دروز السويداء ليس فقط كأقلية تحاول الدفاع عن نفسها، بل كمجتمع يعتمد على إسرائيل ويتعاون معها. وهذا الاعتقاد يتأثر بحالات التوتر الداخلي في سوريا، وكذلك بالتدخل الإسرائيلي الواضح، لكن التبعات السياسية والاجتماعية لهذا التصور تحولت إلى واقع ملموس يعيشه الدروز".
وبرأيه يؤثر هذا التصور على علاقة الدروز بجيرانهم من السنة والبدو، وقدرتهم على الاندماج ضمن إطار سوري أوسع، لذلك، "لا يجوز أن تتحول السويداء إلى نموذج قابل للتطبيق في كل الجنوب السوري، بما أن الرعاية الإسرائيلية الواضحة والدائمة تهدد بتحويل كل أزمة محلية إلى واجب أمني أبدي يقع على عاتق إسرائيل".
وبناء على ذلك، يعلن درور بأنه يجب على إسرائيل أن تعلن بأن أي انتهاكات ترتكب بحق الأقليات تمثل خطاً أحمر، وفي الوقت ذاته، يتعين عليها السعي للتوصل إلى ترتيبات مع سوريا هدفها حماية الدروز والسماح لهم بإقامة حكم ذاتي بنسبة معينة في منطقتهم، "من دون تحويل تلك المنطقة إلى جيب يعتمد كلياً على إسرائيل".
ولكن، وبما أن الحكومة المركزية هي العنصر الفاعل المسيطر على الجنوب السوري، لم يعد بوسع إسرائيل برأي درور أن تفكر بتجاوز دمشق على الدوام، ويتابع: " قد لا تكون تلك الحكومة شريكة، لكنها تمثل الجهة التي تتحمل المسؤولية، لذا ينبغي على إسرائيل أن تطالبها بمنع إقامة موطئ قدم للجهاديين وبحماية الأقليات، ووقف عمليات التهريب، وترسيخ الاستقرار بالقرب من حدودها. كما يجب على إسرائيل ربط أي تنازل دبلوماسي أو دعم دولي مخصص لإعادة الإعمار أو لتغيير الموقف العسكري الإسرائيلي بإحراز تقدم حقيقي وقابل للقياس".
ويقر درور بأن عملية "الجار الصالح" حالفها النجاح نظراً لتوافقها مع واقع استثنائي لم تعد فيه دولة الأسد موجودة على الأرض آنذاك، ولذلك تُركت المجتمعات المحلية لتدير شؤونها بنفسها، إلا أن نجاح تلك العملية لا يعتبر مبرراً لتكرارها في ظل ظروف مختلفة اختلافاً جذرياً، ويعلق على ذلك بقوله: "لم تعد إسرائيل بحاجة لأي عملية من هذا النوع، ولذلك لابد لها من الخروج بسياسة تعترف بأن أمن الحدود لا تحدده القوى التي يتم إبعادها عن الجنوب السوري فحسب، إنما يرتبط بواقع المدنيين الذي تخلقه الظروف في المنطقة الحدودية".