سياسة > بعد سقوط نظام الأسد.. كيف تحافظ موسكو على وجودها في سوريا؟
2026-07-29
يرى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن الكرملين، رغم فقدانه موقعه المهيمن في دمشق، أثبت قدرة كبيرة على التكيف مع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، وهو ما يستوجب، بحسب المعهد، أن تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية بعيدة المدى في التعامل مع النفوذ الروسي.
ويشير المعهد إلى أن سوريا اليوم تختلف جذرياً عن تلك التي تدخلت فيها موسكو في سبتمبر/أيلول 2015 لإنقاذ النظام المخلوع. فمنذ الإطاحة به، اختفت صوره من الشوارع ولم يعد اسمه حاضراً في المشهد العام، في حين حرص الرئيس أحمد الشرع على عدم استبدالها بصوره الشخصية، في خطوة اعتبرها المعهد مؤشراً على نهج مختلف، ترافق مع فتح المجال أمام هامش من الحريات لم تعرفه البلاد منذ أكثر من خمسين عاماً.
ويضيف المعهد أنه في وقت سابق من تموز 2026 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد قرار رفع العقوبات الأميركية الواسعة الذي اتُّخذ عام 2025.
كما وصف وزير الخارجية ماركو روبيو هذه الخطوة بأنها تمثل "بداية فصل جديد" يهدف إلى تشجيع إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات. ومع ذلك، يؤكد المعهد أن عودة واشنطن إلى الانخراط في سوريا لا تعني تراجع الاهتمام الروسي، إذ لا تزال موسكو مصممة على الاحتفاظ بدور مؤثر داخل البلاد.
بحسب المعهد، فإن تراجع القدرات العسكرية والسياسية الروسية في سوريا بعد سقوط الأسد لم يؤثر في المصالح الاستراتيجية لموسكو، التي يُتوقع أن تستمر حتى بعد انتهاء حقبة الرئيس فلاديمير بوتين.
فالكرملين يسعى إلى الحفاظ على موطئ قدم دائم في شرق البحر المتوسط، ويعتبر وجوده في سوريا عنصراً أساسياً لدعم عملياته في إفريقيا، وتسهيل انتقال قواته بين مسارح العمليات المختلفة، وتعزيز حضوره على الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي.
ويرى المعهد أن استمرار الوجود الروسي في سوريا يمنح موسكو أدوات مهمة في منافستها طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. ولهذا أبقت روسيا على قاعدتي طرطوس وحميميم، وإن بقدرات أقل مما كانت عليه قبل سقوط النظام المخلوع، بما يسمح لها بمواصلة عملياتها البحرية والجوية في شرق المتوسط، مع إمكانية استخدامها في عمليات انتشار أوسع.
كما يشير التقرير إلى ما أوردته وكالة رويترز بشأن خطة روسية لتحويل منشأة طرطوس العسكرية إلى مركز لوجستي تجاري، معتبراً أن النشاط الاقتصادي الروسي لا يهدف إلى تحقيق الأرباح فقط، وإنما يمثل وسيلة لخدمة أهداف الدولة الروسية. كذلك يلفت المعهد إلى أن استمرار الوجود الروسي يثير مخاوف من إمكانية استخدامه مستقبلاً لدعم خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم إيران ووكلاؤها في المنطقة.
يرى المعهد أن موسكو، التي كانت الضامن الأساسي لنظام الأسد، انتقلت بسرعة إلى التكيف مع دور جديد يجعلها واحدة من عدة أطراف تسعى إلى التأثير في مستقبل سوريا.
ويستشهد التقرير بسرعة التحرك الروسي بعد سقوط الأسد المخلوع في ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما أوفدت موسكو وفداً إلى دمشق يحمل عقوداً جاهزة للتوقيع. ورغم أن الحكومة السورية الجديدة لم توقّع تلك العقود، فإن المسؤولين السوريين أبدوا، بحسب التقرير، إعجابهم بسرعة الاستجابة الروسية وحسن تنظيمها.
ويقول المعهد إنه لا توجد مؤشرات على نية روسيا الانسحاب من سوريا، بل على العكس، فهي تعمل على إعادة صياغة حضورها بما يتلاءم مع البيئة السياسية الجديدة، مع السعي للحفاظ على قواعدها العسكرية، وتعزيز علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية، وحتى الثقافية. ويضرب مثالًا على ذلك بإعادة افتتاح "البيت الروسي" في دمشق، مشيراً إلى أن المراكز الثقافية الروسية لطالما ارتبطت، بأنشطة استخباراتية.
يشير المعهد إلى أن القيادة السورية الجديدة تتجه أكثر نحو الغرب، لكنها تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف القوى الخارجية، بما فيها روسيا.
وبحسب التقرير، فإن غالبية المسؤولين السوريين يرون أن القطيعة مع موسكو لا تخدم مصالح البلاد، نظراً لما تمتلكه روسيا من نفوذ داخل مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن استمرار التعاون العسكري الذي امتد لعقود، واعتماد سوريا على الأسلحة الروسية منخفضة التكلفة نسبياً.
كما يلفت المعهد إلى أن روسيا تعد من أبرز موردي القمح والنفط إلى سوريا، وهو ما يجعل العلاقة بين البلدين قائمة أيضاً على الاعتماد في مجالي الغذاء والطاقة.
ويتطرق التقرير كذلك إلى ملف حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تربط دعمها الحالي لسوريا بتحسين هذا الملف، لكن إدارات أميركية مستقبلية قد تفعل ذلك، في حين يُتوقع أن تستمر روسيا في تقديم دعمها دون مثل هذه الشروط. كما يذكّر بأن موسكو استخدمت حق النقض مراراً في مجلس الأمن لحماية نظام الأسد المخلوع، وأسهمت في تعطيل قرارات تتعلق بالمساعدات الإنسانية.
يرى المعهد أن أولوية الحكومة السورية الحالية تتمثل في التعافي الاقتصادي، وهو ما يجعل استمرار العلاقات مع روسيا أمراً يصعب الاستغناء عنه، حتى مع سعي دمشق للحصول على استثمارات غربية وخليجية.
ويشير التقرير إلى أن سوريا استعانت بروسيا لطباعة عملتها، رغم وجود خطط لاحقة لطباعة النقد في الإمارات وألمانيا، كما لا تزال موسكو تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قطاع الفوسفات السوري الذي ازدادت أهميته مع ارتفاع أسعار الأسمدة.
ويضيف أن روسيا تمتلك أيضاً ورقة ضغط تتمثل في الديون الموروثة عن النظام المخلوع، والتي يقدرها البنك الدولي بنحو 1.2 مليار دولار، فضلاً عن الروابط الشخصية، إذ يقيم بشار الأسد في روسيا، في حين يرتبط شقيق الرئيس أحمد الشرع بعلاقات عائلية مع روسيا بعد زواجه من مواطنة روسية وإقامته فيها لفترة.
أما فيما يتعلق بالقواعد العسكرية الروسية، فيرى التقرير أن استمرارها يساعد دمشق على الحفاظ على توازنها في علاقاتها مع الغرب، كما أن اعتماد الجيش السوري على المعدات السوفيتية والروسية يجعل البلاد بحاجة مستمرة إلى قطع الغيار وخدمات الصيانة الروسية، حتى مع تنويع مصادر التسليح.
ويوصي المعهد الولايات المتحدة باتباع سياسة طويلة الأمد تقوم على تقليص قدرة روسيا على تحويل وجودها في سوريا إلى نفوذ سياسي متجدد، ورفع كلفة استمرار هذا الوجود.
ولتحقيق ذلك، يدعو إلى تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية والمؤسسية بين واشنطن ودمشق، وتوسيع التعاون مع الوزارات المدنية السورية، وتقديم الخبرات الإدارية، وتعزيز برامج التبادل التعليمي والمهني، إلى جانب زيادة الرقابة على الأنشطة اللوجستية الروسية، وإبراز إخفاقاتها في تنفيذ التزاماتها أو إنتاج منظومات تسليح عالية الكفاءة، إضافة إلى دعم برامج توثيق الدور الروسي في دعم نظام الأسد خلال سنوات الحرب.
ويرى التقرير أن الرأي العام السوري، ما زال مؤثراً، وأن النظرة السلبية لروسيا بين السوريين يمكن تعزيزها بما يرفع الكلفة المعنوية والسياسية لاستمرار وجودها.
كما يدعو إلى تشجيع انخراط أوكرانيا في سوريا باعتبارها شريكاً يمكن أن يوفر مستقبلاً بدائل لروسيا في مجالات مثل القمح والفوسفات والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.
ويختم المعهد بالإشارة إلى أن الغرب لم يربط حتى الآن تعاونه مع سوريا بعلاقاتها مع موسكو، لكنه يرى أنه ينبغي مستقبلاً استخدام النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي لتشجيع دمشق على تقليص اعتمادها على روسيا تدريجياً، مع توفير بدائل أوروبية وإقليمية، خصوصًا في مجالات الطاقة والبنية التحتية والدفاع.
ويؤكد التقرير في نهايته أن الرئيس أحمد الشرع يسعى إلى توثيق العلاقات مع الغرب، وأن الولايات المتحدة ينبغي أن تستثمر هذا التوجه لتعزيز موقعها في سوريا، والحد من النفوذ الروسي في شرق المتوسط وعلى الجناح الجنوبي لحلف الناتو.