سياسة > من أوراق الاعتماد لإعادة الثقة.. هل تدخل العلاقات السورية المصرية مرحلة جديدة؟
2026-07-31
لم يكن تسليم القائم بأعمال سفارة الجمهورية العربية السورية لدى مصر، السفير يحيى دياب، أوراق اعتماده إلى وزارة الخارجية المصرية، الخميس مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل خطوة جديدة في مسار يتقدم بهدوء نحو إعادة بناء العلاقات بين دمشق والقاهرة.
ففي وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم للتحالفات وتبدلا في موازين القوى، تكتسب كل خطوة دبلوماسية بين البلدين أهمية تتجاوز بعدها الإجرائي، لتطرح تساؤلات حول ما إذا كانت العلاقات السورية المصرية تدخل بالفعل مرحلة جديدة من التعاون السياسي والدبلوماسي.
يصعب فهم طبيعة العلاقة السورية المصرية من دون العودة إلى عام 1958، عندما أعلن الرئيسان جمال عبد الناصر وشكري القوتلي قيام الجمهورية العربية المتحدة، في أول تجربة وحدوية عربية بين دولتين مستقلتين.
واستمرت الوحدة حتى أيلول 1961، حين وقع الانفصال إثر انقلاب عسكري في دمشق، إلا أن ذلك لم ينهِ الروابط التاريخية بين البلدين، إذ بقيت سوريا ومصر تنظران إلى بعضهما باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في النظام العربي.
ورغم انتهاء تجربة الوحدة، استمر التنسيق بين البلدين في عدة ملفات، قبل أن يبلغ ذروته مجددا خلال حرب تشرين الأول 1973، عندما خاض الجيشان السوري والمصري الحرب بشكل متزامن على الجبهتين السورية والمصرية، في واحدة من أبرز محطات التنسيق العسكري العربي، قبل أن تتباين المسارات السياسية لاحقا بعد توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1979 .
شهدت العلاقات السورية المصرية خلال العامين الماضيين سلسلة من الخطوات السياسية المتدرجة، عكست رغبة مشتركة في إعادة بناء قنوات التواصل الرسمية.
ففي 4 آذار 2025، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي للمرة الأولى على هامش القمة العربية الطارئة في القاهرة، حيث أكد السيسي دعم مصر لوحدة سوريا وسيادتها، وضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة تضم جميع مكونات الشعب السوري، في لقاء اعتُبر أول اتصال سياسي مباشر بين قيادتي البلدين بعد التغيير الذي شهدته دمشق.
وفي 4 أيار 2026، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أول زيارة رسمية إلى القاهرة منذ تشكيل الحكومة السورية الجديدة، حيث عقد مباحثات موسعة مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، بحضور مسؤولين عن الملفات الاقتصادية والصناعية في البلدين. وأكد الوزير المصري خلال اللقاء أن موقف القاهرة يقوم على دعم وحدة الأراضي السورية ورفض أي تدخلات خارجية، مع الاتفاق على تفعيل التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وتواصل هذا المسار في 23 حزيران 2026، عندما أعلن الجانبان، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في عمّان، الاتفاق على البناء على نتائج زيارة الشيباني إلى القاهرة، مع الترحيب بانعقاد الاجتماع الحكومي المصري السوري الثاني لبحث آليات التعاون الاقتصادي والتجاري.
لم يقتصر الخطاب المصري تجاه سوريا على البيانات الرسمية، بل حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة على استحضار البعد التاريخي للعلاقة بين البلدين.
فخلال ندوة القوات المسلحة بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو عام 2025، قال السيسي إن "محمد علي لم يكن يفكر في مصر وحدها، بل كانت سوريا جزءا من مشروعه"، في إشارة إلى الترابط التاريخي بين البلدين، مؤكدا أن الأمن القومي العربي لا يمكن فصله عن استقرار سوريا والمنطقة. ويُنظر إلى هذا الخطاب باعتباره رسالة تؤكد أن القاهرة تنظر إلى دمشق بوصفها شريكا تاريخيا في معادلة الأمن الإقليمي.
كما كرر السيسي، خلال لقائه الرئيس أحمد الشرع في القاهرة في آذار 2025، أن مصر ترفض أي اعتداء على الأراضي السورية، وتدعم الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
ورغم هذا الحراك، لم تتطور العلاقات بالسرعة التي توقعها كثيرون بعد سقوط نظام المخلوع.
ويرجع ذلك، إلى عدة اعتبارات: أبرزها أن القاهرة فضّلت اتباع سياسة الانخراط التدريجي مع الإدارة السورية الجديدة وقتها، مع التركيز أولا على استقرار مؤسسات الدولة السورية، إلى جانب حرصها على أن يأتي الانفتاح في إطار توافق عربي أوسع، بالتزامن مع انشغال المنطقة بملفات غزة ولبنان والتوترات الإقليمية المتلاحقة.
ورغم هذا الحذر، تؤكد اللقاءات والاتصالات المتكررة بين وزيري الخارجية، والاجتماعات الاقتصادية المشتركة، أن مسار العلاقات يسير نحو مزيد من التطور، وإن كان بوتيرة محسوبة.
يعد القائم بالأعمال رئيسا للبعثة الدبلوماسية في حال عدم وجود سفير معتمد، ويضطلع بكامل المهام الدبلوماسية اليومية، بما يشمل إدارة السفارة، وتمثيل الدولة، وتعزيز العلاقات الثنائية.
لكن وجود قائم بالأعمال بدلا من سفير غالبا ما يعكس أن العلاقات الدبلوماسية لم تصل بعد إلى أعلى مستويات التمثيل السياسي، أو أن إجراءات تعيين السفراء لا تزال قيد الاستكمال.
لذلك، فإن تسليم أوراق الاعتماد يمثل خطوة إجرائية مهمة لضمان عمل السفارة بصورة رسمية وكاملة، وقد يشكل تمهيدا لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مستقبلاً إذا استمرت العلاقات في مسارها التصاعدي.
تأتي هذه الخطوة الدبلوماسية في وقت يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل واسعة للتحالفات السياسية والأمنية، مع تصاعد التوترات الإقليمية وتنامي المنافسة على موازين النفوذ.
وتحظى العلاقة السورية المصرية بأهمية خاصة لعدة أسباب، أبرزها:
لا يمكن اعتبار تسليم أوراق اعتماد القائم بالأعمال تحولا جذريا بمفرده، لكنه يأتي ضمن سلسلة خطوات تعكس اتجاها واضحا نحو تعزيز العلاقات السورية المصرية.
ويبدو أن القاهرة ودمشق تتعاملان مع العلاقة بمنطق التدرج، عبر توسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والقنصلي أولا، تمهيدا لرفع مستوى التمثيل السياسي عندما تنضج الظروف الإقليمية.
وفي ظل المشهد الحالي، تبدو العاصمتان أكثر تقاربا في ملفات الحفاظ على الدولة الوطنية، ورفض الفوضى الإقليمية، وتعزيز العمل العربي المشترك، وهو ما يمنح هذه الخطوة الدبلوماسية بعدا يتجاوز البروتوكول، ويجعلها مؤشرا على مسار قد يزداد زخما خلال المرحلة المقبلة.