2026-08-09
أعاد الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط فتح واحد من أكثر فصول علاقته تعقيدا مع النظام المخلوع، كاشفا تفاصيل لقاءاته الأخيرة مع بشار الأسد في الأشهر الأولى من الثورة السورية، ومقدما روايته عن اللحظة التي دفعته إلى القطيعة النهائية مع دمشق، بالتوازي مع تحذيرات من محاولات إعادة إحياء مشروع إقامة كيان درزي منفصل في جنوبي سوريا.

وفي الحلقة السابعة عشرة من برنامج "شاهد على العصر"، التي بثتها قناة الجزيرة مساء السبت استعاد جنبلاط مسارا امتد من المصالحة مع دمشق عام 2010 إلى القطيعة معها في 2011، لكنه ربط شهادته أيضا بالتحولات الراهنة في السويداء وجنوبي سوريا، معتبرا أن فكرة فصل المناطق الدرزية ليست جديدة، وأن جذورها تعود، وفق روايته، إلى مشاريع إسرائيلية قديمة لإعادة تشكيل المنطقة على أساس كيانات طائفية وأقليات.

وتكتسب شهادة جنبلاط أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه داخل البيئة الدرزية في لبنان وعلاقاته التاريخية مع دروز سوريا وفلسطين، فضلا عن علاقته الطويلة والمتقلبة مع دمشق، منذ مرحلة حافظ الأسد وحتى السنوات الأولى من حكم المخلوع بشار الأسد والثورة السورية.

قبل نحو عام من اندلاع الثورة السورية، كان جنبلاط قد بدأ إعادة ترتيب علاقته مع دمشق بعد سنوات من الخصومة الحادة التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 وانسحاب الجيش السوري من لبنان.

وقال جنبلاط إن العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز أدى دورا أساسيا في إعادة التواصل بينه وبين النظام المخلوع، مشيرا إلى احتمال مساهمة حزب الله أيضاً في تهيئة الظروف للمصالحة.

وفي 31 من آذار 2010، عاد جنبلاط إلى دمشق والتقى بشار الأسد، بعد سنوات كان خلالها من أبرز منتقديه في لبنان.

وبحسب روايته، استقبله بشار الأسد وكأن سنوات الصدام السياسي لم تقع، وطلب منه تجاوز الماضي.

لكن جنبلاط، وهو يستعيد تلك المرحلة اليوم، رسم فارقا بين حافظ الأسد وابنه. فوصف الأول بأنه كان "قاسيا ومجرما"، لكنه امتلك، بحسب تقييمه، "حضورا عربيا ودوليا"، بينما اتهم بشار الأسد بالاعتماد على "الكذب والتمويه"، وقال إن مسؤولين سعوديين توصلوا بدورهم إلى انطباعات مماثلة بشأن طريقة تعامله السياسية.

ولم تقتصر عودة جنبلاط إلى سوريا حينها على اللقاءات السياسية، إذ تحدث عن زيارة قام بها مع زوجته وأصدقاء إلى حلب عام 2010، وتجوله في أسواق المدينة القديمة وقلعتها وإقامته في أحد البيوت التراثية التي تحولت إلى فندق، قبل أن تتعرض أجزاء واسعة من المناطق التي زارها للدمار خلال سنوات الثورة.

مع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، دخلت علاقة جنبلاط بالأسد اختبارا جديدا. وكشف الزعيم الدرزي اللبناني أنه زار سوريا نحو ثلاث مرات بعد بداية الثورة، في وقت كانت الاحتجاجات تتوسع ويزداد معها استخدام النظام للقوة.

واستعاد جنبلاط لقاء مع شخصية أشار إليها باسم "حكمت"، قال إنها حذرته من أن طريقة بشار الأسد في إدارة "الأزمة" ستقود سوريا إلى صراع داخلي وربما إلى التقسيم.

كما تحدث عن غداء جمعه بمحمد ناصيف، أحد أبرز رجال المنظومة الأمنية في عهد الأسد المخلوع، وقال إن ناصيف لخّص طبيعة المواجهة بعبارة "يا نحن يا هم"، وتحدث، وفق رواية جنبلاط، عن احتمال وصول كلفة الصراع إلى مليون قتيل.

وربط جنبلاط هذه الذهنية بما تكشف لاحقا عن الانتهاكات داخل سجن صيدنايا وملفات المفقودين والمقابر الجماعية، معتبرا أن الحجم الكامل للخسائر البشرية لم يُحسم حتى اليوم.

وتوقف جنبلاط مطولا عند آخر لقاء جمعه بالمخلوع بشار الأسد في حزيران 2011، وهو اللقاء الذي قال إنه حسم موقفه نهائيا من النظام.

وبحسب جنبلاط، رافقه الوزير اللبناني السابق غازي العريضي إلى اللقاء، وطلب من بشار الأسد الأمان قبل أن يوجه إليه أسئلة تتعلق بما كان يجري في سوريا.

وكان السؤال الأول عن الطفل حمزة الخطيب، الذي أصبح مقتله بعد اعتقاله أحد أبرز رموز الأشهر الأولى من الثورة السورية.

وقال جنبلاط إنه سأل الأسد عن تعذيب الخطيب، فنسب إليه إجابة صادمة قال فيها: "ما عذبناه، قتلناه".

وأضاف أن الإجابة وطريقة تناول الأسد للقضية شكلتا بالنسبة إليه نقطة تحول حاسمة.

وانتقل جنبلاط بعدها إلى سؤال الأسد عن عاطف نجيب، ابن خالته والمسؤول الأمني السابق في درعا، الذي ارتبط اسمه بالأحداث التي سبقت اندلاع احتجاجات المحافظة.

وبحسب جنبلاط، أجابه الأسد بأن "أحدا لم يشتكِ" من نجيب، وهو رد قال إنه أثار استغرابه، متسائلا عن إمكانية أن يتقدم مواطن سوري في تلك المرحلة بشكوى ضد شخصية أمنية نافذة من عائلة الرئيس.

واستعاد جنبلاط هذه الواقعة في الوقت الذي بدأت فيه، بعد سقوط النظام، محاكمة عاطف نجيب في دمشق.

لم تكن أهمية اللقاء الأخير بالنسبة إلى جنبلاط مرتبطة بالانتهاكات وحدها، وإنما أيضا بسؤال كان مطروحا بقوة في بدايات الثورة: هل كان بشار الأسد يسيطر فعلا على أجهزة الدولة والأمن والجيش، أم أن شقيقه ماهر الأسد ومراكز القوة الأمنية كانت تتخذ قراراتها بعيدا عنه؟

وقال جنبلاط إن الأسد روى أمامه قصة لقاء مع مجموعة من الفنانين التشكيليين الذين أبدوا خوفهم عليه، وأشاروا إلى احتمال حدوث أمور في البلاد من دون علمه.

لكن الأسد، وفق رواية جنبلاط، شدد على أنه "الحاكم" وأنه يعرف ما يجري.

وبالنسبة إلى جنبلاط، أسقط ذلك الرواية التي كانت تحاول الفصل بين الرئيس وبين ممارسات الأجهزة الأمنية والعسكرية، وأقنعه بأن الأسد كان يتحمل المسؤولية المباشرة عن إدارة النظام إلى جانب شقيقه ومسؤولين آخرين.

وقال إنه خرج من اللقاء مصدوما من طريقة تعامل الأسد مع القتل والقمع، ومن قدرته، بحسب وصفه، على التمويه والكذب، ليقرر بعد ذلك عدم العودة إلى دمشق.

مثّل لقاء حزيران 2011، وفق شهادة جنبلاط، الاختبار الأخير لعلاقته بالأسد. فبعد المصالحة التي بدأت قبل عام تقريبا، انتهت العلاقة مجددا، ولكن هذه المرة على خلفية موقف جنبلاط من الثورة وطريقة النظام في مواجهتها.

واعتبر جنبلاط أن الأسد كان من الممكن أن يسقط خلال نحو عام لو اتفقت الدول العربية والغربية على تقديم دعم حاسم للمعارضة السورية.

وقال إن إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما أبدت في البداية استعدادا للتحرك ضد الأسد قبل أن يتغير موقفها، وربط هذا التراجع بمفاوضات الاتفاق النووي مع إيران.

وذهب جنبلاط إلى القول إن أوباما باع سوريا وأهل سوريا للوصول إلى الاتفاق مع طهران، مدعيا أن إيران اشترطت الحفاظ على موقعها في سوريا مقابل إنجاز الصفقة النووية.

كما تناول أدوارا دبلوماسية لاحقة، بينها تحركات كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، والجهود التي ارتبطت بسحب دبابات النظام من المدن ووقف العنف، معتبرا أن دمشق لم تلتزم بتلك المطالب.

وفي نقطة ذات دلالة في النقاش السوري الراهن حول المسؤولية عن انتهاكات الحقبة السابقة، رفض جنبلاط تحميل الطائفة العلوية مسؤولية الجرائم التي ارتكبها النظام.

وقال إن منظومة القمع ضمت مسؤولين وضباطا من طوائف سورية مختلفة، بينهم سنة ودروز ومسيحيون، إلى جانب العلويين.

واستشهد بالضابط عصام زهر الدين بوصفه نموذجاً لضابط درزي شارك في العمليات العسكرية إلى جانب النظام.

وبذلك فصل جنبلاط بين المسؤولية السياسية والأمنية للنظام وبين الهوية الطائفية لأفراد المجتمع السوري، رغم إقراره بأن النظام اعتمد بصورة كبيرة على أبناء الطائفة العلوية داخل بعض مفاصل السلطة والأمن.

لكن الجزء الأكثر ارتباطا بالواقع السوري الحالي في شهادة جنبلاط جاء عندما انتقل من ذاكرة الثورة إلى مستقبل السويداء والوجود الدرزي في جنوب سوريا.

ونفى أن يكون المؤتمر الاغترابي الدرزي الذي نظمه في بيروت عام 2010 قد ناقش فكرة إقامة دولة درزية، مؤكدا أن المؤتمر كان ذا أهداف اجتماعية واقتصادية وإنمائية، وشارك فيه نحو 840 شخصاً من 37 دولة.

وقال إن فكرة إقامة كيان درزي ليست وليدة التطورات السورية الراهنة، بل تعود إلى عقود.

واستعاد في هذا السياق رسالة قال إن كمال كنج أبو صالح، من مجدل شمس المحتلة، أرسلها إلى والده كمال جنبلاط عام 1967، محذرا من وجود مشروع إسرائيلي لإقامة كيان درزي.

وأضاف أن كمال جنبلاط نقل التحذير حينها إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، قبل أن تتراجع الفكرة في ظل التوازنات الإقليمية والعربية التي كانت قائمة آنذاك.

لكن جنبلاط يرى أن الفكرة عادت إلى الظهور في سياق التطورات التي شهدتها السويداء وجنوب سوريا.

وتوقف جنبلاط بصورة خاصة عند استخدام تسمية جبل باشان بدلا من جبل العرب، معتبرا أن المسألة تتجاوز مجرد تغيير في المصطلحات الجغرافية.

وربط التسمية بمفهوم تاريخي لمنطقة تشمل، وفق شرحه، جبل الشيخ والسويداء وحوران، محذرا من أن فصل هذا النطاق الجغرافي عن الدولة السورية يمكن أن يشكل بداية لتفتيت البلاد.

ومن هذا المنطلق، أكد جنبلاط رفضه إقامة دولة أو كيان درزي منفصل، ووصف الفكرة بأنها مشروع إسرائيلي قديم يندرج، بحسب قراءته، ضمن تصورات أوسع لإقامة كيانات للأقليات في المنطقة.

وأشار إلى تجارب وأفكار سابقة مرتبطة بإقامة كيان مسيحي في لبنان، رابطا بينها وبين مفهوم "تحالف الأقليات" في مواجهة المحيط العربي.

وبالنسبة إلى جنبلاط، فإن حماية الدروز لا تمر عبر فصل السويداء أو جبل العرب عن سوريا، وإنما عبر بقائهم جزءا من الدولة السورية.

وفي سياق رؤيته للهوية السياسية للدروز، تحدث جنبلاط عن مشاركة وفد من الدروز القادمين من الأراضي الفلسطينية المحتلة في مؤتمر بيروت عام 2010.

وقال إن السلطات اللبنانية سمحت بدخول الوفد في إطار محاولة لإعادة قسم من دروز فلسطين إلى ما وصفها بالحاضنة العربية.

ويعكس هذا الموقف رؤية سياسية قديمة لدى جنبلاط تقوم على رفض التعامل مع الدروز باعتبارهم جماعة منفصلة سياسيا عن محيطها، وهو الموقف نفسه الذي يستند إليه اليوم في رفض أي مشروع خاص بدروز سوريا خارج إطار الدولة السورية.

وفي أحد أكثر أجزاء شهادته إثارة للجدل، ذهب جنبلاط إلى أبعد من الحديث عن المشروع الدرزي، معتبرا أن استمرار نظام الأسد منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة وحتى سقوطه في كانون الأول 2024 ارتبط، وفق قراءته، بوجود تقاطعات في المصالح مع إسرائيل.

وقال إن النظام وإسرائيل اختلفا بشأن الجولان، لكنهما التقيا، بحسب رأيه، في ملفات أخرى.

واستعاد حرب حزيران 1967، عندما كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع، وسقوط الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي، كما استشهد بالعبارة المنسوبة إلى النظام بعد الهزيمة حول خسارة الأرض وبقاء النظام، وبرد كمال جنبلاط عليها: "ليتنا خسرنا بعض الأنظمة وبقيت الأرض".

ورأى جنبلاط أن تقاطع المصالح ظهر لاحقا في ملفات منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الترتيبات التي استقرت على جبهة الجولان وخط الفصل والمنطقة منزوعة السلاح، فضلا عن التحولات التي شهدها جنوبي لبنان، بداية من وجود الفصائل الفلسطينية وصولا إلى حزب الله.

كما اعتبر أن سياسات تحجيم الغالبية السنية والتعامل مع الأقليات بوصفها وحدات سياسية منفصلة خدمت، في نهاية المطاف، المصالح الإسرائيلية في المنطقة.

غير أن هذه الاستنتاجات تبقى قراءة جنبلاط السياسية لمسار العلاقة بين نظام الأسد وإسرائيل، وليست وقائع مثبتة بحد ذاتها، وهو ما يقتضي الفصل بينها وبين الوقائع التاريخية التي استند إليها في بناء موقفه.

تكشف شهادة وليد جنبلاط عن مسار سياسي شديد التقلب في علاقته بدمشق: من الخصومة مع النظام بعد اغتيال رفيق الحريري، إلى المصالحة والعودة إلى لقاء بشار الأسد عام 2010، ثم إلى القطيعة النهائية بعد أشهر من اندلاع الثورة.

لكن القيمة السياسية لشهادته اليوم لا ترتبط فقط بما يرويه عن لقاءات مغلقة جرت قبل 15 عاما، بل أيضا بالطريقة التي يربط بها تلك التجربة بالتحديات التي تواجه سوريا بعد سقوط النظام.

ففي قلب روايته تظهر مسألتان متداخلتان: الأولى تتعلق بمسؤولية النظام المخلوع عن المسار الذي دفع البلاد إلى سنوات طويلة من الحرب والانقسام، والثانية تتعلق بالخوف من أن تتحول نتائج ذلك الانهيار إلى مدخل لإعادة رسم الجغرافيا السورية على أسس طائفية.

فالزعيم الدرزي الذي يرفض تحميل الطوائف مسؤولية أفعال الأنظمة، يرفض في الوقت نفسه تحويل الدروز إلى مشروع سياسي منفصل عن سوريا، ويحذر من إعادة إنتاج تصورات قديمة تقوم على تقسيم المنطقة إلى كيانات للأقليات.

وبين روايته عن اللقاء الأخير مع المخلوع بشار الأسد وتحذيره الحالي من فصل جبل العرب، تبدو الرسالة المركزية في شهادة جنبلاط واحدة: تجربة نظام الأسد، بالنسبة إليه، لا ينبغي أن تنتهي باستبدال الدولة المركزية بخرائط طائفية جديدة، وأن مستقبل الدروز يجب أن يبقى مرتبطا بمستقبل سوريا نفسها، لا بمشروع كيان منفصل عنها.

عدد المشاهدات: 57414
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة