2026-08-19
تدخل العلاقة بين سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية مرحلة جديدة تبدو مختلفة جذرياً عن السنوات السابقة، مع فتح الحكومة السورية مواقع مرتبطة بأنشطة نووية تعود إلى عهد النظام المخلوع أمام مفتشي الوكالة، بالتوازي مع إعلان دمشق تمسكها بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، في خطوة تهدف إلى معالجة ملف بقي عالقاً دولياً لنحو عقدين.

وزار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي سوريا يومي 17 و18 من آب الجاري، والتقى وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، كما شملت الزيارة موقعاً في دير الزور وموقعاً ثانياً مرتبطاً بمواد نووية قالت سوريا إنها اكتشفتها حديثاً، في تطور وصفه البيان السوري - الأممي المشترك بأنه "أهم تقدم" أحرز حتى الآن على طريق معالجة مسائل الضمانات العالقة الناشئة عن أنشطة غير معلنة تعود إلى النظام المخلوع.

وتأتي هذه الخطوة في قلب ملف شديد التعقيد تتداخل فيه الأسئلة الفنية حول طبيعة المواد الموجودة ومصدرها، مع إرث موقع "الكبر" الذي قصفته إسرائيل عام 2007، وظهور الحديث عن موقع آخر يعرف باسم "الموقع 99"، فضلاً عن أسئلة سياسية تتعلق بمستقبل هذه المواد وإمكانية إغلاق الملف القديم وفتح الطريق أمام برنامج نووي سوري سلمي.

برنامج "سوريا اليوم" على سوريا اكسبو ناقش هذه الأسئلة مع الخبير في الطاقة النووية والمفاعلات الذرية الدكتور قاهر أبو الجدايل، وكبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيس قسم الضمانات فيها سابقاً الدكتور يسري أبو شادي، في محاولة لفهم ما الذي تملكه سوريا فعلياً، وما الذي تبحث عنه الوكالة، ومدى خطورة المواد المكتشفة، وما إذا كان التعاون الحالي قادراً على طي صفحة الإرث النووي للنظام المخلوع.

وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أعلن خلال مؤتمر صحفي مشترك مع غروسي في دمشق أن التعاون بين سوريا والوكالة وصل إلى مراحل متقدمة، في وقت تتعامل فيه الدولة السورية مع إرث النظام المخلوع في ما يتعلق بالأنشطة النووية.

وشدد الشيباني في الوقت نفسه على حق سوريا الكامل في الاستخدام المدني والسلمي للطاقة النووية، موضحاً أن دمشق تنظر إلى التطبيقات النووية باعتبارها أداة يمكن الاستفادة منها في الطب وعلاج المرضى، وفي الغذاء والزراعة، والبحث العلمي والجامعات، فضلاً عن توليد الكهرباء باعتبارها ركيزة محتملة للتعافي الاقتصادي وبناء منظومة حديثة تلبي احتياجات البلاد.

وأكد البيان المشترك الصادر عقب زيارة غروسي أن سوريا جددت التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والتنفيذ الكامل لاتفاق الضمانات المرتبط بها، وأنها بادرت من تلقاء نفسها إلى إحاطة الوكالة بهذه المسائل، كما أشار إلى إعلان سوري مؤرخ في 17 تموز 2026 بشأن مواد نووية في موقع لم يسبق الإعلان عنه وحددته سوريا حديثاً.

من جانبه، قال غروسي إن الحكومة السورية فتحت أمام الوكالة موقعاً يعود إلى عهد النظام المخلوع، وإن المواد الموجودة داخل سوريا تظل ملكاً لسوريا، موضحاً أن القرار بشأن مستقبلها يعود إلى السوريين، لكن الوكالة تحتاج إلى معرفة كل خطوة تتعلق بهذه المواد، وأين ستذهب وكيف ستتحرك.

وأوضح أن منطق نظام الضمانات النووية الدولية يقوم على معرفة المواد النووية ومواقعها وحركتها، مشيراً إلى أن الوصول إلى الموقع ليس سوى البداية، إذ يتعين إجراء مسح وجرد للموجودات ووزن المواد وحسابها، ثم قيام المفتشين بتفتيش كل شيء قبل كتابة التقرير النهائي.

وأضاف غروسي أن أي نقل لاحق للمواد يجب أن يجري أيضاً ضمن إطار يمكن للوكالة التحقق منه، معتبراً أن ما بدأ حالياً يؤسس لعلاقة طبيعية ودائمة بين سوريا والوكالة.

ويتطابق ذلك مع البيان الرسمي للوكالة، الذي أكد أن المواد تبقى في "العهدة الوطنية السورية"، وأن السلطات السورية يسرت عملية التحقق الأولي وستواصل تمكين الوكالة من التحقق الكامل، تمهيداً لإخضاع المواد لضماناتها.

في الإجابة عن سؤال حول ما تملكه سوريا أساساً في المجال النووي، قال قاهر أبو الجدايل إن البلاد عرفت سابقاً خططاً لبناء مفاعل ذري في منطقة مسكنة قرب حلب، باتجاه مدينة الطبقة، لكن المشروع توقف في مرحلة سابقة بالتزامن مع سقوط الاتحاد السوفييتي.

وربط أبو الجدايل زيارة غروسي والوفد المرافق له بموقع "الكبر" وبموقع آخر يعرف باسم "الموقع 99"، معتبراً أن عمليات التفتيش تهدف إلى التحقق من طبيعة المواد الموجودة وإمكان احتوائها على مواد نووية أو إشعاعية يمكن أن تصبح خطرة أو تدخل في أنشطة غير مصرح عنها.

وتملك سوريا منذ سنوات منشآت وكوادر في المجال البحثي النووي. كما تشير وثائق سابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى وجود مفاعل بحثي سوري مصغر يعمل بمصدر نيوتروني، وكان خاضعاً لأنشطة الضمانات والتفتيش التابعة للوكالة.

يظل موقع "الكبر" في دير الزور العقدة الأقدم والأكثر حساسية في الملف السوري.

ففي أيلول 2007 دمرت إسرائيل مبنى في موقع دير الزور. وفي تقرير صدر عام 2011، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أنه من "المرجح جداً" أن المبنى الذي دمر كان مفاعلاً نووياً كان ينبغي على سوريا التصريح عنه، مشيرة إلى معلومات تفيد بأنه كان مفاعلاً مبرداً بالغاز ومهدأ بالغرافيت، وأنه لم يكن معداً لإنتاج الكهرباء، مع مزاعم بشأن مساعدة كورية شمالية في بنائه. وكانت حكومة النظام المخلوع، تنفي ذلك وتقول إن المنشأة كانت عسكرية غير نووية.

وقال يسري أبو شادي إن الوكالة كانت ترغب منذ نحو 18 عاماً في العودة إلى موقع الكبر، بعدما زارته مرة وأخذت منه عينات، ظهرت في إحداها مؤشرات أثارت تساؤلات بشأن وجود يورانيوم مصنع.

وأشار إلى أن الوكالة لم تتمكن خلال السنوات التالية من العودة إلى الموقع، في حين تعرض المكان، بحسب شرحه، لتغييرات واسعة منذ الضربة الإسرائيلية عام 2007، إذ أزيلت بقايا المبنى وبنيت منشآت أخرى ثم لحقت بالموقع أضرار إضافية خلال سنوات الحرب، ما يجعل مهمة المفتشين الحالية تعتمد بصورة أساسية على أعمال الحفر والبحث عن بقايا وآثار قديمة.

وتؤكد وثائق الوكالة أن عمليات إزالة وتسوية واسعة جرت في الموقع بعد ضربة 2007، ما أدى إلى إزالة أو حجب أجزاء كبيرة من بقايا المبنى الذي تعرض للقصف.

وخلال الزيارة الحالية، قالت الوكالة إن غروسي اطلع في دير الزور على أعمال الحفر التي تنفذها سوريا وعاين معالم في الموقع ذات صلة بتقييم الأنشطة النووية السابقة، وإن هذه الأعمال ستستمر وفق جدول زمني وخطوات عملية متفق عليها بين دمشق والوكالة.

أبو شادي أثار مجموعة من الأسئلة الفنية بشأن الرواية المتعلقة بمفاعل الكبر، مشيراً إلى أن المفاعل الذي قيل إنه كان من طراز قريب من مفاعل كوري شمالي يعتمد على الغرافيت كان يفترض، بحسب تقديراته، وجود كميات ضخمة من الغرافيت ذي المواصفات النووية، وليس الغرافيت التجاري العادي.

وتحدث خلال الحلقة أولاً عن كمية تقارب 600 طن من الغرافيت النووي الذي يدخل في البنية الأساسية لمثل هذا النوع من المفاعلات، ثم أشار في سياق حديثه عن أعمال البحث الحالية إلى رقم يقارب 800 طن من الغرافيت ونحو 50 طناً من قضبان اليورانيوم المعدني، داعياً إلى انتظار ما ستكشف عنه عمليات الحفر والتحقق قبل الوصول إلى نتيجة نهائية.

وبنى أبو شادي جانباً من تشكيكه على أن العينات التي أخذتها الوكالة سابقاً من موقع الكبر لم تظهر، وفق قوله، أدلة على وجود الكميات الكبيرة من الغرافيت النووي التي يفترض أن تكون جزءاً من بنية المفاعل.

ورأى أن العثور على كميات من الغرافيت في موقع آخر، إذا ثبت أنها بالفعل غرافيت من الدرجة المستخدمة في المفاعلات، سيطرح سؤالاً أساسياً: لماذا توجد هذه المواد بعيداً عن موقع المفاعل الذي قيل إنه كان على وشك التشغيل؟

وأضاف أن هذه المسألة تستوجب عدم استعجال الوكالة أو الحكومة السورية أو الخبراء في استخلاص النتائج، والانتظار حتى صدور معلومات فنية دقيقة يمكن التحقق منها.

إلى جانب موقع الكبر، برز في الحلقة ما يعرف باسم "الموقع 99"، الذي ارتبط بمواد نووية اكتشفتها السلطات السورية.

وكان موقع "أكسيوس" قد نشر في 10 آب تقريراً قال فيه إن الولايات المتحدة توسطت في تفاهمات بين سوريا وإسرائيل والوكالة الدولية للطاقة الذرية بهدف تأمين مواد موجودة في موقع سري يعرف باسم "الموقع 99"، وتحدث التقرير عن خطة لإزالة المواد من الموقع.

لكن التطورات الرسمية اللاحقة أظهرت صورة أكثر تفصيلاً، إذ أكدت الوكالة أن سوريا نفسها أبلغتها في 17 تموز بوجود مواد نووية في موقع لم يكن معلناً سابقاً، وأن السلطات أتاحت الوصول إليه. كما نص البيان المشترك الصادر في 18 آب على أن المواد النووية تظل في العهدة الوطنية السورية، ولم يعلن في البيان خطة نهائية لنقلها إلى خارج سوريا.

وفي الحلقة، قال أبو الجدايل إن سوريا كانت قد أبلغت الولايات المتحدة بوجود الموقع والمواد قبل نشر "أكسيوس" لتقريره، وإن المبادرة جاءت من دمشق، التي طلبت مساعدة الولايات المتحدة وشركائها والوكالة الدولية للطاقة الذرية للتعامل مع المواد وضمان عدم وصولها إلى جماعات متطرفة أو قوى أخرى يمكن أن تستولي عليها.

جانب كبير من الجدل دار حول طبيعة المواد التي يعتقد أنها موجودة في الموقع، وخصوصاً ما يعرف باسم "الكعكة الصفراء".

وأوضح أبو الجدايل أن "الكعكة الصفراء" هي مسحوق من أكاسيد اليورانيوم، ولا تمثل في وضعها الحالي وقوداً نووياً جاهزاً أو مادة مخصبة، بل تقع في مرحلة مبكرة من دورة الوقود النووي.

وأضاف أن تحويلها إلى مادة يمكن إدخالها في عمليات التخصيب يتطلب سلسلة من المعالجات الكيميائية، وصولاً إلى مركبات يمكن تحويلها إلى سداسي فلوريد اليورانيوم "UF6"، ثم تحتاج العملية بعد ذلك إلى أجهزة طرد مركزي لرفع نسبة التخصيب، وهي بنية قال إنها غير متوافرة أصلاً في سوريا.

واعتبر أبو الجدايل أن احتفاظ سوريا بهذه المواد قرار سيادي، في حين أن التعاون الكامل والشفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يمثلان، من وجهة نظره، الخيار السياسي الصحيح، لأن عدم التعاون سيبقي البلاد عرضة للشبهات والاتهامات في ملف بالغ الحساسية جيوسياسياً.

وعاد لاحقاً ليؤكد أن وجود "الكعكة الصفراء" لا يعني وجود وقود نووي جاهز، وأن الوصول إلى مرحلة يمكن فيها استخدام اليورانيوم في التخصيب يستوجب المرور بحلقات صناعية وتقنية لم تصل إليها سوريا.

يسري أبو شادي رأى أن "الكعكة الصفراء" لا تعامل بالطريقة نفسها التي تعامل بها المواد النووية في المراحل المتقدمة من دورة الوقود، وقال إن وجودها بحد ذاته لا يعني أنها مادة محظورة أو أن من حق الوكالة تلقائياً فرض إزالتها أو نقلها من سوريا.

وبحسب شرحه، فإن المطلوب هو إعلان الكميات الموجودة ومتابعة وضعها ضمن الالتزامات المطبقة على سوريا، في حين يظل قرار نقل المواد أو الإبقاء عليها مسألة مختلفة.

وفي هذه النقطة، قال أبو شادي خلال الحلقة إن سوريا "وقعت البروتوكول الإضافي". إلا أن أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن تطبيق الضمانات في الشرق الأوسط، الصادر في 27 تموز 2026، لا يدرج سوريا ضمن دول المنطقة التي لديها بروتوكولات إضافية نافذة، ولا ضمن الدول التي وقعتها ولم تدخلها حيز التنفيذ، لذلك يبقى تعاون دمشق الحالي مستنداً رسمياً، وفق البيان المشترك، إلى اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم الانتشار والخطوات العملية الجديدة المتفق عليها مع الوكالة.

شهدت الحلقة اختلافاً واضحاً بين الضيفين في تفسير ما أعلنه غروسي بشأن طبيعة المواد التي تم العثور عليها.

أبو الجدايل قال إن غروسي لم يعلن، بحسب فهمه، العثور على أطنان من "اليورانيوم المعدني"، بل تحدث عن "مواد نووية"، ورجح أن المقصود مواد من نوع الكعكة الصفراء أو أكاسيد اليورانيوم غير المعالجة، وليس وقوداً نووياً معدنياً جاهزاً.

في المقابل، قال أبو شادي إنه استمع إلى تصريح لغروسي فهم منه أن الحديث يدور عن كميات كبيرة من اليورانيوم المعدني، معتبراً أن تأكيد مثل هذه المعلومة سيغير كثيراً من المعطيات الفنية المتعلقة بملف الكبر.

وتساءل: إذا كان اليورانيوم المعدني يمثل الوقود المفترض لمفاعل الكبر، فلماذا يوجد في موقع بعيد عن المفاعل الذي قيل سابقاً إنه كان قريباً من التشغيل؟ ودعا إلى انتظار التقرير الرسمي للوكالة لمعرفة طبيعة المادة وكمياتها ومصدرها، والتحقق مما إذا كانت بالفعل وقوداً مرتبطاً ببرنامج سري سابق.

واللافت أن البيان الرسمي الصادر عن الوكالة عقب الزيارة لم يحدد علناً أن المواد هي "يورانيوم معدني"، ولم يتحدث عن غرافيت أو كميات محددة، واستخدم بصورة عامة تعبير "مواد نووية" اكتشفتها سوريا حديثاً، ما يجعل التفاصيل المتعلقة بالتركيب والكميات بانتظار نتائج التحقق والتقرير الفني للوكالة.

لم يخف أبو شادي تشكيكه منذ سنوات في الرواية التي تفترض أن مبنى الكبر كان مفاعلاً مطابقاً أو مماثلاً لمفاعل كوري شمالي.

وقال إن المواصفات الفنية التي نسبت إلى الموقع تثير، من وجهة نظره، تساؤلات حول أبعاد المفاعل وتركيبه والكميات التي يحتاج إليها من الغرافيت والوقود، معتبراً أنه لا يريد قبول أي استنتاج جديد قبل الاطلاع على الأرقام والنتائج الفنية الدقيقة.

كما شكك في عينة سابقة أخذها أحد مفتشي الوكالة من الموقع، وقال إن طريقة أخذها أثارت لديه تساؤلات، وإن الاستنتاج المتعلق بوجود يورانيوم طبيعي مصنع بناء عليها ظل موضع خلاف بالنسبة إليه.

في المقابل، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد قالت رسمياً في 2011، بعد تقييم المعلومات المتوافرة لديها، إن المبنى المدمر في دير الزور كان "على الأرجح الشديد" مفاعلاً نووياً كان ينبغي التصريح به، كما أشار مجلس محافظيها آنذاك إلى العثور على عدد مهم من جزيئات اليورانيوم الطبيعي المعالج صناعياً في الموقع.

وبذلك يبقى في الحلقة فصل واضح بين الاستنتاج الرسمي التاريخي للوكالة وبين القراءة الفنية التي قدمها أبو شادي، والذي شدد مراراً على ضرورة إعادة اختبار الأدلة القديمة في ضوء نتائج التفتيش الجديد.

في قراءة مستقبل التعاون، قال قاهر أبو الجدايل إن الخطوة الأساسية المنتظرة هي أن يكتب غروسي تقريره إلى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن يعكس التقرير - إذا سارت عمليات التفتيش كما هو متوقع - تعاون الحكومة السورية الجديدة وشفافيتها، بما يسمح بطي ملف الأنشطة الموروثة عن النظام المخلوع.

واعتبر أن سوريا لا تملك خياراً أفضل من التعامل بشفافية كاملة مع الوكالة، لأن الأنشطة التي يجري التحقيق فيها مرتبطة بمرحلة سابقة، ولا مصلحة للحكومة الحالية في إخفاء معلومات بشأنها.

وهذا المسار ورد بشكل صريح في البيان السوري - الأممي المشترك، إذ اتفق الجانبان على خطوات محددة لمعالجة مسائل الضمانات العالقة، على أن يرفع غروسي، بعد إتمام التفتيش وأنشطة التحقق، نتائج عمله واستنتاجاته إلى مجلس المحافظين في أقرب موعد ممكن، بهدف أن ينظر المجلس في القضية وصولاً إلى "تسوية كاملة للمسائل العالقة".

وبهذا المعنى، فإن طي الملف لن يتحقق بمجرد زيارة غروسي أو فتح المواقع، بل يتطلب استكمال أعمال الحفر والجرد، وتحديد طبيعة المواد وكمياتها ومصدرها، والتحقق من علاقتها بالأنشطة السابقة، وإخضاع ما يلزم منها للضمانات، ثم صدور تقرير المدير العام ومناقشته أمام مجلس المحافظين.

لا تتوقف طموحات دمشق، وفق ما أعلن الشيباني وناقشه ضيفا الحلقة، عند إغلاق ملف الماضي، بل تمتد إلى البحث في مستقبل الاستخدام السلمي للطاقة النووية.

وقال أبو الجدايل إن سوريا تحتاج على المدى الطويل إلى الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، ورأى أن البلاد تملك أرضية علمية وكفاءات يمكن تطويرها، لكنها تحتاج إلى شراكات استراتيجية مع دول وشركات تمتلك خبرة في بناء وتشغيل المفاعلات.

وضرب مثالاً بمشروع الضبعة النووي في مصر والتعاون المصري مع شركة "روساتوم" الروسية، كما قال إن سوريا يمكنها مستقبلاً التعاون مع شركات أميركية أو كورية جنوبية وبناء مفاعلات وفق نماذج قائمة في دول مثل الإمارات، شريطة أن يكون البرنامج سلمياً بالكامل وأن يجري تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأشار أبو الجدايل أيضاً إلى أن الطريق لن يكون تقنياً فقط، بل تحكمه اعتبارات سياسية وإقليمية، معتبراً أن إسرائيل قد تعمل على عرقلة تطور قدرات سوريا، إلا أن إزالة الشبهات والتعامل بشفافية مع الوكالة والشركاء الدوليين يمكن أن يخففا العقبات أمام الحصول مستقبلاً على الدعم والتكنولوجيا اللازمة لمشاريع سلمية.

بدوره، أيد يسري أبو شادي بصورة واضحة انفتاح الحكومة السورية الجديدة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقال إن التعاون والشفافية مطلوبان، لكنه دعا دمشق في الوقت نفسه إلى التعامل بحذر مع أي اتهامات أو استنتاجات لا تستند إلى أدلة فنية مكتملة.

واعتبر أن سوريا يجب ألا تتعامل مع كل ما يصدر باعتباره حقيقة نهائية قبل مراجعة التفاصيل الفنية، مستحضراً تجربة العراق والاتهامات التي سبقت غزوه بشأن برامج أسلحة الدمار الشامل، والتي تبين لاحقاً عدم صحة جانب أساسي منها.
وفي الوقت نفسه، شدد أبو شادي على أهمية دخول سوريا مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مشيراً إلى اتساع الاعتماد على الطاقة النووية ومشاريع المفاعلات في المنطقة، من الإمارات إلى إيران وتركيا ومصر، ورأى أن سوريا تمتلك كوادر علمية وخبرات بحثية سابقة يمكن البناء عليها بالشراكة مع دول أخرى.
كما أكد البيان المشترك بين دمشق والوكالة أن المرحلة المقبلة لن تقتصر على التحقق والضمانات، إذ اتفق الطرفان أيضاً على توسيع التعاون في الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية دعماً لأولويات التنمية الوطنية في سوريا.

الزيارة الحالية لا تعني أن ملف الإرث النووي للنظام المخلوع أغلق بالفعل، لكنها تمثل انتقالاً واضحاً من مرحلة جمود استمرت سنوات طويلة إلى مرحلة وصول مباشر وتفتيش وتبادل للمعلومات.

في عام 2011 كانت الوكالة تقول إن أسئلة أساسية بشأن موقع دير الزور ومواقع مرتبطة به بقيت من دون إجابة، وإنها لم تحصل على الوصول الذي تحتاج إليه لاستكمال تقييمها. وبعد نحو 15 عاماً، تتحدث الوكالة اليوم عن أعمال حفر تنفذ بالتنسيق مع السلطات السورية، وعن موقع ثان لم يكن معلناً سابقاً، وعن مواد نووية كشفت عنها دمشق بنفسها، وعن جدول عمل يؤدي في نهايته إلى تقرير جديد أمام مجلس المحافظين.

لكن الأسئلة الفنية لم تنته بعد: ما الطبيعة الدقيقة للمواد المكتشفة؟ هل هي "كعكة صفراء" فقط أم توجد مواد في مراحل أكثر تقدماً من دورة الوقود؟ ما حقيقة الحديث عن اليورانيوم المعدني والغرافيت؟ وما علاقتها بموقع الكبر أو بالأنشطة التي كان النظام المخلوع يديرها؟ وأين ستستقر هذه المواد بعد استكمال جردها وإخضاعها للضمانات؟

الإجابة النهائية عن هذه الأسئلة لن تأتي من التصريحات السياسية أو التقديرات الفنية المنفردة، وإنما من نتائج التفتيش والتحليل التي ستجمعها الوكالة خلال المرحلة المقبلة، ومن التقرير الذي سيقدمه غروسي إلى مجلس المحافظين.

وإذا انتهى ذلك التقرير إلى معالجة القضايا العالقة وقبول مجلس المحافظين بتسويتها، فستكون دمشق قد قطعت الخطوة الأهم نحو طي واحد من أكثر الملفات غموضاً في إرث النظام المخلوع، وفي الوقت نفسه ستكون أمام اختبار جديد: الانتقال من إرث برنامج غير معلن وشبهات امتدت سنوات، إلى تعاون نووي معلن وشفاف يركز على الطب والزراعة والبحث العلمي والطاقة وتوليد الكهرباء.

عدد المشاهدات: 78775
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة