سياسة > سوريا في عيون وزير الخارجية النرويجي: قصة نجاح وسط صخب الشرق الأوسط
2026-08-26
مع انشغال العالم بحروب دونالد ترمب في كل من الشرق الأوسط وأوكرانيا وضد الشعب الفلسطيني، لم يعد أحد يفكر بالقصة الفريدة من نوعها التي تتكشف فصولها في سوريا.
على مدار خمسة عقود نيف، بقيت سوريا دولة مغلقة على نفسها تحكمها دكتاتورية متوحشة ناصبت العداء للعالم كله، أما الحرب الدموية التي امتدت لأربعة عشر عاماً في تلك الدولة، فقد حلت على شعبها كمصيبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وعلى الرغم من كل ما جرى، أصبحت الشخصيات الدبلوماسية والأكاديمية تصف سوريا بعد سقوط نظام الأسد بالمنطقة الآمنة وسط الشرق الأوسط الذي تسوده اضطرابات جمة، إذ بعد يوم حافل أمضاه في العاصمة السورية، صرح وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي بأن منطقة الشرق الأوسط تشهد كثيراً الاضطرابات التي في ظلها باتت سوريا تظهر كنقطة مضيئة، ما جعل كثيرين يتساءلون إن كان ما يحدث في سوريا حقيقياً أم مجرد خيال.
على مدى أسابيع، عمل فريق من الدبلوماسيين والمسؤولين الأمنيين السوريين والنرويجيين لإنجاح زيارة الوزير النرويجي لدمشق والتي امتدت ليوم واحد، وقد صرح خلال توجهه إلى سوريا بأن "سوريا أبلت بلاء أفضل بكثير من أشد التوقعات تفاؤلاً، ما جعل منها ملاذاً آمناً في الشرق الأوسط، مقارنة بما كانت عليه قبل سنة وثمانية أشهر"، ويتساءل: "من كان يتخيل ذلك؟"
هذا وقد حمل الوزير إيدي معه مبلغاً قدره 150 مليون كروناً نرويجياً من أجل إعادة الإعمار في سوريا.
وخلال زيارته، التقى الوزير إيدي بثلاثة وزراء إلى جانب الرئيس الشرع، ثم التقى بناشطات في مجال حقوق المرأة، ورئيس مجلس الشعب بالإضافة إلى عدد من النازحين والنازحات، وشرب عدداً كبيراً من فناجين القهوة العربية والشاي إلى جانب الحلويات.
وخلال الرحلة التي امتدت لساعات وصولاً إلى دمشق، شاهد الوزير خراباً كبيراً في الأبنية الممتدة ضمن المنطقة التي كانت في السابق معقلاً لثوار الغوطة أيام الأسد، وقد امتد هذا الخراب على مد النظر.
وتعقيباً على ذلك علق الوزير إيدي بالقول: "إن الرئيس مهتم أشد الاهتمام بإعادة إعمار البلد، وقد ذكر بأن السوريين اليوم في مرحلة ترسيخ الحكم السياسي، لكنهم بحاجة للاستثمارات والتجارة، وقد أبدى اهتمامه بالمجالات التي نتمتع فيها بخبرة واسعة مثل النقل البحري والطاقة، ولهذا فإننا اليوم في مرحلة انتقال من الجهود الإنسانية إلى مزيد من جهود إعادة الإعمار".
لم يكن أحد من السوريين يتحدث بالسياسة أيام النظام المخلوع، ولهذا كانوا يقولون إن "الحيطان لها آذان"، لأن كلمة واحدة ممكن أن تفضي بالمرء إلى السجن والتعذيب أو الإخفاء والموت. والآن، بعد أن أصبحت دكتاتورية آل الأسد من الماضي، بات السوريون يعبرون عن رأيهم بصراحة، ففي أحد الأقبية بدمشق جلست ثلة من النسوة الساخطات على الحياة اليومية في سوريا اليوم، وأخذت يتحدثن بكل صراحة أمام وزير الخارجية النرويجي عن مشكلاتهن والقضايا التي تشغل بالهن، حيث ذكرت صحفية أتت من دير الزور التي دمر 80% من المباني والبنية التحتية فيها: "إنني أنسى على الدوام ذلك، ولكن ما نفعله اليوم رائع، إذ قبل سقوط الأسد، لم ألتق بأي من تلك السيدات، ولم نكن نجرؤ على قول أي شيء على العلن، أما اليوم فقد أصبحنا نقول ما نريده، حتى وإن لم يستجب لمطالبنا أحد".
وأضافت تلك الصحفية: "عودة الناس تدريجية لكنها تتم بوتيرة ثابتة، فقد أصبح لدينا أمل بالمستقبل سواء أبقيت النساء مهمشات أم لا، ثم إن كثيرين منا اختبروا العنف، ومن الجيد اليوم أنه أصبح بوسعنا أن نتحدث علناً وأن نفعل شيئاً إزاء هذا الوضع".
وهنا، تحدث الوزير إيدي عن تاريخ بلده النرويج، إذ عندما كان صغيراً، لم تكن سوى قلة قليلة من النساء تشغل مناصب رفيعة في السياسة والاقتصاد، ولكن على مر جيلين، وصلت امرأتان إلى رئاسة الوزراء في النرويج، وأصبحت النساء يشغلن مناصب قيادية في جميع المجالات بالمجتمع.
والخبر المفرح هنا أن تحقيق ذلك ممكن في سوريا بعد أن أصبحت أرضاً خصبة للفرص والإمكانات، وهذا ما دفع وزير الخارجي النرويجي لحث النساء على العمل بجد حتى يحققن ما يصبون إليه، وألا ينتظرن حتى يأتي من يقدم لهن ذلك.
أخطا كل من توقع لسوريا أن تقع من جديد في دوامة من الحرب والفوضى، فقد أثبت الرئيس أحمد الشرع براغماتيته كقائد عندما فتح الحريات الشخصية والسياسية إلى حد كبير أمام الشعب السوري، ثم ألف حكومة تكنوقراط ضمت امرأة واحدة وعدداً من ممثلي الطوائف الكثيرة في البلد.
يعلق على ذلك الوزير إيدي فيقول: "كنت في سوريا في كانون الثاني 2025، وأبديت تفاؤلاً حذراً وقتئذ، غير أن الشرع لم يتفوه إلا بكل ما هو صحيح، وأعلن عن رغبته بالمضي في عملية تشميل لكل السوريين".
وبعد عودة الوزير النرويجي إلى سوريا اليوم رأى التطور بأم عينيه، فغدت توقعاته كبيرة بالنسبة لمستقبلها، ولهذا قال: "التقيت بالشرع عدة مرات، فعبر عن أفكار ورؤى كثيرة تجاه ما يريد تحقيقه، وأرى أن تلك الأفكار جيدة وواعدة، كما أن التفاف الجميع حولها مبشر، ولكن هنالك كثيرون لا يصدقون بأن ذلك ما يحدث فعلاً، وبأنه بوسع الرئيس الشرع تحقيق ما يفكر به".
في لقاء مع الرئيس السوري يوم الإثنين بدمشق، ذكر الوزير إيدي بأن الرئيس الشرع أوفى بكثير مما تعهد به، وأضاف: "إنها لمهمة جسيمة أن يتم توحيد هذا البلد بعد 14 عاماً من الحرب وخمسين عاماً من الحكم الدكتاتوري، ولهذا كان [الرئيس] حريصاً جداً على أن تكون البلد للجميع وألا تقوم على أساس طائفي".
حظيت زيارة الوفد النرويجي لسوريا بأهمية كبيرة، حيث حضر اجتماعاتها وزير الصحة والطاقة ووزير الخارجية أسعد الشيباني، إلى جانب الرئيس الشرع.
أما مبلغ 150 مليون كرون الذي أرسلته النرويج فسيسهم في تحسين ظروف المعيشة بالنسبة لمن يعيشون في ضائقة كبيرة من أبناء وبنات الشعب السوري، إذ ستذهب تلك الأموال لقطاع الصحة والكهرباء وإزالة الألغام، ولذلك صرح وزير الخارجية النرويجي بالقول: "بعد مرور سنة وثمانية أشهر على سقوط الأسد ماتزال سوريا هشة، إذ في كثير من المجالات تبدو التطورات واعدة، في حين تبدو مثيرة للقلق في مجالات أخرى، ولهذا، ولكي تنجح سوريا، يتعين على المجتمع الدولي تقديم الدعم السياسي والمالي لها".
هذا وتعتزم النرويج تقديم نحو 420 مليون كرون لسوريا خلال عام 2026، بحيث تخصص لقطاع الكهرباء والصحة وإزالة الألغام والمساعدات الإنسانية في ظل احتياجات إنسانية واقتصادية هائلة، بما أن 90% من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، كما أن مليونين وأربعمئة ألف طفل ممن تتراوح أعمارهم ما بين 5-17 سنة لا يرتادون المدارس، أي نصف الأطفال واليافعين في سوريا، ثم إن مدرسة واحدة من بين كل ثلاث مدارس سورية تعرضت للتدمير أو تحولت إلى مأوى أو إلى مقر عسكري، ناهيك عن تعرض كثير من الأطفال السوريين لخطر الاتجار بالبشر وزواج القاصرات. أما على الصعيد الصحي، فقد أصبحت نصف مرافق المنظومة الصحية في سوريا خارج الخدمة، في حين تفتقر مناطق كثيرة إلى خدمات طبية فعالة، ما يدفع عائلات كثيرة إلى تأجيل العلاج أو السفر خارج مناطقها للحصول على الرعاية الصحية التي تنقذ المريض، وسط نقص حاد في الكوادر الطبية. كذلك تضرر نحو ثلثي نظم المياه ومحطات الضخ والسدود خلال الحرب، ما جعل قرابة نصف الشعب السوري يعتمد على مصادر مياه غير آمنة، ويزيد تغير المناخ من تداعيات الوضع، ويشمل ذلك الجفاف وشح الأمطار، ما يزيد الضغط على القطاع الزراعي، في وقت تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً.
مايزال الوزير إيدي محافظاً على تفاؤله الحذر تجاه سوريا، ولذلك يقول: "من الواضح أن الشرع ذكي ورصين في حديثه، فهو يعبر عن فكرته بوضوح، ويتمتع بصفات القائد ويبدي تعاطفاً كبيراً تجاه الناس، ومن الواضح أيضاً بأنه فخور بما حققه، لكنه حريص أيضاً على أن يكون صادقاً بخصوص التحدي الكبير الذي ينتظر البلد.. لأن هذا التطور الإيجابي الذي تشهده سوريا اليوم يمكن أن يتلاشى سريعاً في حال عدم تحقيق تقدم، كما أن الشرع قلق جداً تجاه التدخل الإسرائيلي".
تحدث وزير الخارجية النرويجي عن العالم وكيف نسي القضية السورية، وقال: "يبدي الناس قلقهم تجاه الأمور عندما تسوء فيتحدثون عنها، ولكن من المهم أيضاً أن ندرك ضرورة تقديم دعم طويل الأمد للأمور عندما تنجح وتتحسن، ومن التحسن أن سوريا لا تحاول أن تتدخل بلبنان، وأنها لم تتحالف مع إيران كما فعلت في عهد الأسد، ولكن الأمور انتهت بترمب لتعزيز موقف إيران، إلا أن ذلك الخطأ لا يقع على عاتق سوريا"، ويرى الوزير إيدي بأن التقدم الحاصل في سوريا سيخلف أثراً إيجابياً على دول أخرى، ويتابع بالقول: "من الواضح أن إسرائيل تمثل أكبر مشكلة بالنسبة لسوريا، فإسرائيل تمارس القمع والظلم بكل وحشية في غزة والضفة الغربية، كما دمرت القرى في لبنان، ما أجبر كثيرين على النزوح، فضلاً عن الهجمات المتفرقة التي تشنها على سوريا والتي تزعزع استقرار هذا البلد"، ويضيف: "في الماضي كانت سوريا مصدر قلق، لكنها اليوم أصبحت تحتل مكانة أفضل بنظر الدول الغربية، بعد أن أقامت علاقات طيبة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكذلك مع معظم دول الجوار باستثناء إسرائيل" وهنا تكمن المفارقة بنظر الوزير إيدي، وذلك لأن الشرع عندما وصل إلى السلطة أعلن بأن سوريا تسعى لإقامة علاقة مستقرة مع إسرائيل، كما ألمح إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني معها، ولذلك صرح الوزير إيدي قائلاً: "بالنظر إلى سلوك حكومة نتنياهو، يبدو بأن إسرائيل تسعى لأن تكون الدول المجاورة لها ضعيفة وغير مستقرة".