2026-03-25
ليس كل ما يلعب يقاس، ولا كل ما يقاس يفهم، فالدوريات، في ظاهرها، سباق نحو لقب، لكنها في جوهرها امتحان خفي لمعنى الاستمرار ذاته. والدوري السوري لكرة السلة هذا الموسم لم يكن مجرد ترتيب للفرق، بل كان مرآة مضطربة تعكس هشاشة الواقع وصلابة الرغبة في آن واحد.

في كل مباراة، لم تكن الكرة وحدها هي التي ترتطم بالأرض، بل كانت الأسئلة أيضاً: ماذا يعني أن تفوز في زمن لا يستقر؟ وكيف يصاغ الانتصار حين تتبدل ملامح الفرق كما تتبدل الفصول؟

تسعة أندية دخلت المنافسة، لكنها في الحقيقة دخلت في حوار صامت مع ذواتها؛ بين تاريخ يطالبها بأن تبقى كما كانت، وواقع يفرض عليها أن تتغير، بعضها قاوم النسيان، وبعضها حاول أن يخلق لنفسه ذاكرة من العدم، لكن الجميع كان يدور في فلك فكرة واحدة: أن الوجود لا يمنح، بل ينتزع.

أما الاضطرابات، خاصة في ملف اللاعبين الأجانب، فلم تكن مجرد تفاصيل إدارية، بل كانت تذكيراً بأن الثبات وهم، وأن كل فريق، مهما بدا متماسكاً، يحمل في داخله قابلية التفكك وإعادة التشكل.
حتى التوقف، الذي بدا كاستراحة، لم يكن سوى امتداد للقلق، لحظة صمت تتكثف فيها الأصوات بدل أن تختفي. وهكذا، لم يعد الدوري مجرد زمن رياضي يستهلك، بل صار تجربةً وجودية تعاش، فالقادم ليس فقط مباريات تلعب، بل احتمالات تختبر، ومع كل صافرة بداية، لا يسأل من سيفوز فحسب، بل: من سيبقى، ومن سينسى، ومن سيتمكن، ولو للحظة، من أن يمنح هذا العبث شكلاً يشبه المعنى.

ومع نهاية مرحلة الذهاب، كيف ظهرت الفرق التسعة وما هو ترتيبها:

لم يكن النواعير هذا الموسم مجرد فريق ينافس، بل حالة تفرض حضورها بثقة، فريق يعرف كيف يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى عوامل حاسمة، بانضباط تكتيكي واضح وروح جماعية لا تعرف الأنانية، وثقة تنمو مع كل اختبار، ورغم أن الطريق لم يكن مستقيماً دائماً وزاره التذبذب في بعض اللحظات، إلا أن الفرق الكبيرة تقاس بردود أفعالها لا بكبواتها، فكان الرد دائماً على قدر الطموح، حتى تحولت الانتصارات المتتالية إلى منحنى تصاعدي جعل الصدارة تبدو وكأنها قدر مكتوب لا موقع مؤقت، بعدما حقق ستة انتصارات مقابل خسارتين، ليؤكد أن وصوله لم يكن صدفة بل نتيجة مسار متكامل.

بدا هذا الموسم كفريق يعيش بين حدّين، بين العبقرية والفوضى، قادر على تقديم أداء مبهر في لحظة، ثم التراجع في أخرى، نتيجة التغييرات المستمرة في قائمة لاعبيه الأجانب التي أثرت على الانسجام، لكن ما يميّزه أنه لا يسقط طويلًا، بل يعود سريعاً إلى الواجهة، وخسارته أمام النواعير لم تكن نهاية، بل بداية لعودة أكثر شراسة، ومع امتلاكه أسماء لامعة وقدرات فردية عالية، يبقى فريقاً قادراً على قلب المعادلات متى ما وجد توازنه، وقد أنهى المرحلة بستة انتصارات وخسارتين، إلا أن فارق المواجهات وضعه خلف النواعير في الترتيب.

دخل الموسم وهو يحمل إرث ثلاث بطولات متتالية، وفي مثل هذه الحالة لا يكون التحدي الوصول إلى القمة، بل الحفاظ عليها، ومع التغييرات التي طرأت على الجهاز الفني في توقيت حساس، وجد الفريق نفسه في اختبار مختلف، ورغم بعض التعثر، لم يفقد حضوره أو هيبته، بل بدا وكأنه يعيد اكتشاف ذاته، حيث توحي طريقة لعبه أن ما يقدمه الآن ليس صورته النهائية، بل مرحلة إعادة تشكّل قد تسبق عودة أكثر قوة، بعدما حقق خمسة انتصارات مقابل ثلاث خسارات، مع شعور واضح بأنه لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

ظهر كفريق يقف على أعتاب الاكتمال دون أن يبلغه، يمتلك الأدوات والخبرة واحتكاكاً قوياً من مشاركاته الخارجية، لكنه لا يزال يبحث عن الانسجام المثالي، وزادت استقالة مدربه في توقيت حساس من تعقيد المشهد، إلا أن الفريق حافظ على هويته كمنافس شرس، وحقق خمسة انتصارات مقابل ثلاث خسارات، في مؤشر واضح على أن ما يملكه من إمكانيات قد يتحول إلى قوة حقيقية في المرحلة القادمة.

الشبية كان مثالاً على أن البدايات الصعبة لا تعني النهايات، فقد بدأ الموسم بشكل ثقيل وتعرض لخسارة قاسية وسط ظروف معقدة، لكن بدل الانهيار، أعاد ترتيب أوراقه، وأبرم تعاقدات جديدة، واستعاد توازنه تدريجياً، حتى عاد إلى دائرة المنافسة، محققاً خمسة انتصارات مقابل ثلاث خسارات، ليؤكد أن الإرادة قادرة على إعادة كتابة المسار مهما كانت البداية.

قدّم الكرامة صورة فريق يبني نفسه بهدوء، حيث التقت طاقة الشباب مع خبرة اللاعبين لتشكل مزيجاً متوازناً، وتطور الأداء بشكل تدريجي حتى بلغ ذروته في مواجهات أثبت فيها قدرته على مقارعة الكبار دون تردد، ورغم التعثر في الجولات الأخيرة، لم يفقد الفريق هويته، بل اكتسب خبرة إضافية قد تجعله أكثر صلابة في الإياب، بعدما أنهى المرحلة بأربعة انتصارات وأربع خسارات، ليبقى مشروع منافس حقيقي لا يمكن تجاهله.

عاش الحرية حالة من الضياع في بداية الموسم، حيث غابت ملامحه وتعثر في أكثر من محطة، لكنه لم يبقَ على حاله، فالتغييرات التي طرأت عليه أعادت إليه شيئاً من الروح، ورغم أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الاكتمال، إلا أنه يملك مقومات المفاجأة، وقد يكون الإياب فرصته الحقيقية لإثبات نفسه، بعدما حقق انتصارين مقابل ست خسارات.
في حين دخل الجيش المنافسة بظروف صعبة، إذ خاض معظم مباريات الذهاب دون لاعبين أجانب، وكأنه يقاتل بإرادته فقط، ورغم أن النتائج لم تكن في صالحه، إلا أن الأداء أظهر فريقًا لا يستسلم، يخسر بصعوبة ويجبر خصومه على القتال حتى النهاية، وقد حقق انتصارين مقابل ست خسارات، مع الإشارة إلى العقوبة التي تعرض لها بحرمانه من نقطة الخسارة بعد عدم حضوره لقاء الوحدة، ومع تدعيم صفوفه بلاعبين أجانب، قد يتحول إلى فريق مختلف تماماً في الإياب.
بالانتقال إلى فريق الثورة، الذي عاش أصعب فترات الدوري، حيث تلقى ثماني خسارات متتالية دون أي انتصار، وهو رقم قاس يعكس حجم المعاناة، لكنه لا يعني النهاية، فالفريق لم يفقد إيمانه بنفسه، ومع التعديلات الجديدة والتعاقد مع لاعب أجنبي، قد تتغير الصورة في المرحلة القادمة، لأن الفرق التي تتألم كثيراً غالباً ما تعود بشكل أقوى.

وفي عمق المشهد، تؤكد تصريحات المدربين أن المرحلة القادمة لن تحتمل الأخطاء، حيث أشار مدرب الحرية عبود شكور إلى أن فريقه لم يصل بعد إلى الانسجام الكامل رغم الأداء الجيد في بعض المباريات، مؤكداً أن الإياب سيحمل صورة مختلفة، فيما أوضح مدرب الكرامة هيثم جميل أن التوقف أثر سلباً على فريقه لكنه سيعود أقوى بعد تصحيح الأخطاء، أما مدرب الجيش عدي خباز فشدد على أن فريقه كان نداً قوياً رغم غياب المحترفين، وأن اكتمال الصفوف سيمنحه فرصة أكبر لتقديم أداء أفضل والمنافسة على التأهل.

ومع نهاية مرحلة الذهاب، جاء الترتيب ليعكس هذا الصراع المتقارب، حيث تصدر النواعير بـ14 نقطة متساوياً مع الأهلي بنفس الرصيد، يليه الوحدة وحمص الفداء والشبيبة بـ13 نقطة لكل منهم، ثم الكرامة بـ12 نقطة، فالحرية والجيش بـ10 نقاط، وأخيراً الثورة بـ8 نقاط من دون أي انتصار، في مشهد يؤكد أن ما مضى لم يكن سوى بداية، وأن القادم يحمل صراعاً أشد، حيث لا مجال للتراجع، وكل تفصيل قد يصنع الفارق بين القمة والسقوط.

عدد المشاهدات: 36443
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة