2026-03-28
ليست كرة القدم مجرد لعبة تحسم بنتيجة، بل هي منظومة قيم تختبر فيها العدالة قبل المهارة، ويقاس فيها نضج المؤسسات قبل قدرات اللاعبين. وفي الدوري السوري الممتاز، يبدو أن الصافرة باتت أحياناً أعلى من صوت الكرة، لا لأنها أكثر حضوراً، بل لأنها أكثر إثارة للجدل.

ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في أخطاء تحكيمية عابرة، فالأخطاء جزء من طبيعة اللعبة حتى في أكثر الدوريات تقدماً.
لكن الإشكالية الأعمق تكمن في تراكم هذه الأخطاء ضمن بيئة تفتقر إلى أدوات التصحيح والتطوير، ما يحوّل الخطأ من حالة عابرة إلى ظاهرة مقلقة. وهنا تتجلى المفارقة: دوري يلقّب بـ"المحترفين"، بينما كثير من تفاصيله لا تزال أسيرة الهواية، إن لم نقل الارتجال.

من السهل توجيه أصابع الاتهام نحو الحكام وحدهم، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. فالحكم ليس كائناً معزولاً عن السياق، بل هو نتاج منظومة كاملة: إعداد، تدريب، دعم نفسي، حماية أمنية، وتكنولوجيا مساعدة. وعندما تغيب هذه العناصر أو تضعف، يصبح الحكم الحلقة الأضعف في سلسلة يفترض أن تكون متماسكة.

الاتحاد الكروي الجديد يجد نفسه في مواجهة إرث ثقيل وضغوط جماهيرية متزايدة، وهو وإن كان غير مسؤول بالكامل عمّا آلت إليه الأمور، إلا أنه المعني الأول بإحداث التحول. فالمسؤولية هنا ليست امتيازاً، بل التزاماً أخلاقياً ومؤسساتياً يفرض عليه إعادة تعريف معنى الإدارة الرياضية في بلد يطمح للعودة إلى واجهة المنافسة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الملاعب نفسها تعاني من خلل بنيوي: ضعف التنظيم، غياب بيئة آمنة، تراجع التنسيق بين الجهات المعنية، وحتى غياب أبسط مقومات احترام اللعبة، من حماية الحكام إلى تنظيم أماكن الإعلاميين. وكأن المباراة تدار في فراغ، لا في فضاء يفترض أن يكون محكوماً بقواعد واضحة.

أما عن تقنية الفيديو (VAR)، فهي ليست عصاً سحرية، لكنها خطوة في اتجاه تقليص الأخطاء وتعزيز الثقة. غير أن إدخالها لا يقتصر على شراء أجهزة، بل يتطلب تأهيلاً عميقاً للعقول قبل الأدوات، وإرادة حقيقية لترسيخ مبدأ العدالة لا تجميل صورته.

إن رفع أجور الحكام وتطوير برامج التدريب خطوات إيجابية، لكنها تبقى غير كافية إن لم تُستكمل برؤية شاملة تعيد الاعتبار للتحكيم كركيزة لا كعبء. فالحكم، كالمهاجم وحارس المرمى، يخطئ ويصيب، لكن الفارق أن خطأه يفسَّر أحياناً كاتهام، لا كجزء من لعبة بشرية.

في النهاية، المسألة ليست في صافرة أخطأت، بل في منظومة تحتاج إلى إعادة بناء. كرة القدم السورية اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول إلى مشروع احترافي حقيقي، أو تبقى أسيرة مسمّى لا يعكس واقعها. وبين هذا وذاك، تبقى العدالة في الملعب هي الاختبار الأصعب.. والأكثر إلحاحاً.

موقع سوريا اكسبو تواصل مع رئيس لجنة الحكام في اتحاد الكرة محمد الغادري والذي أكد في معرض حديثه: نعم، هناك أخطاء، بل وأخطاء مؤثرة.، لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر، بل كمدخلٍ ضروري لفهم أعمق لأزمة التحكيم في الكرة السورية.

فالاعتراف هنا ليس ضعفاً، بل بداية طريق، طريق يدرك أن الصافرة لم تعد مجرد أداة لإدارة المباراة، بل صارت محوراً يختبر مصداقية المسابقة بكاملها.

الغادري يضع يده على الجرح حين يتحدث عن تحديات الإمكانات والدعم الفني والتقني، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود كفاءات واعدة. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: الطاقات موجودة، لكن البيئة الحاضنة لا تزال قاصرة عن إطلاقها بالشكل الأمثل. وكأن التحكيم السوري يقف عند عتبة الإمكان، دون أن يُمنح فرصة العبور إلى الفعل.

وعندما يقرّ بوجود أخطاء مؤثرة، فهو يفتح الباب لسؤال أكبر: هل المشكلة في الحكم، أم في غياب الأدوات التي تحمي قراراته؟ فالعالم اليوم لم يعد يكتفي بالعين البشرية، بل استعان بالتقنية لتقليل هامش الخطأ. وفي ظل غياب تقنية الـVAR، تصبح الأخطاء أكثر حضوراً، وأكثر قابلية للتأويل، وربما أكثر إثارة للجدل.

لكن ما بين الاعتراف بالمشكلة والسعي لحلّها، تبرز ملامح مشروع إصلاحي يحاول أن يتشكل. تدريب مستمر، تحديث للقوانين، تعزيز للشفافية.. عناوين تبدو واعدة، لكنها تحتاج إلى ما هو أكثر من النوايا: تحتاج إلى استمرارية، وإلى بيئة تترجم هذه الشعارات إلى واقع ملموس في الملاعب.

أما عن رفع أجور الحكام، أكد الغادري تم رفع اجور الحكام من 40 دولار إلى 100 دولار هو إجراء يحسب للاتحاد، لأنه يعكس إدراكاً بأن الحكم لا يمكن أن يؤدي دوره تحت ضغط مادي ومعنوي في آن معاً.

وفي سياق التطوير أضاف الغادري بأن الاتحاد تعاقد مع المحاضر الدولي الكابتن عصام عبد الفتاح كخطوة لافتة، توحي بأن هناك توجهاً للاستفادة من الخبرات الخارجية. وهي خطوة إن أُحسن استثمارها، قد تسهم في ردم الفجوة بين الواقع المحلي والمعايير الدولية.

أما عن دخول تقنية الـVAR، إلى ملاعبنا تابع بقوله: لا تزال هذه التقنية في طور الدراسة، وكأنها حلم مؤجل ينتظر توافر الشروط. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل المشكلة في غياب التقنية فقط، أم في الجاهزية الشاملة لاستقبالها؟ لأن إدخالها لا يعني مجرد تركيب أجهزة، بل بناء ثقافة تحكيمية جديدة تقوم على الدقة والمساءلة.

في المحصلة، يبدو التحكيم السوري اليوم في حالة مواجهة مع ذاته: بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. الاعتراف بالمشكلة خطوة أولى، لكن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذا الاعتراف إلى إصلاح فعلي.

عدد المشاهدات: 89812
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة