2026-04-18
سلط اعتراف دولي مهم الضوء على مدى قوة الصحافة الاستقصائية في الكشف عن الفساد ضمن المؤسسات الرياضية العالمية. فقد فاز كل من مشروع الإبلاغ عن الجريمة والفساد المنظمين، وشريكته السورية شبكة سراج لصحافة المحاسبة والمساءلة بجائزة معتبرة قدمها الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية تقديراً لعملهما الاستقصائي الرائد حول الفساد والمحسوبية في أوساط كرة القدم السورية أيام النظام البائد.

وجرى تقديم الجائزة عن فئة الصحافة الاستقصائية خلال حفل أقيم في 11 نيسان، بما يمثل اعترافاً بقيمة التقارير الاستثنائية التي تكشف الظلم في عالم الرياضة. وقد اتسم العمل الفائز لهذا العام بالعمق والشجاعة كما تميز الصحفيون الذين اشتغلوا عليه بالجسارة وذلك لتعرضهم لمخاطر كبيرة خلال عملهم في بيئة حساسة وخطرة للغاية.

يدور التحقيق الاستقصائي الذي فاز بالجائزة لهذا العام عن الطريقة التي استغلت من خلالها طبقة النخبة التي كانت تحكم سوريا أيام النظام البائد مؤسسات كرة القدم السورية لتحقيق ثروات شخصية، وعلى رأس من فضحهم هذا التحقيق ماهر الأسد شقيق المخلوع بشار الأسد، والذي كان يتمتع بنفوذ كبير في البلد، إذ بحسب ما ورد في ذلك التقرير، فإن ماهراً استغل نفوذه للضغط على الاتحاد الوطني لكرة القدم في سوريا من أجل الاستئثار بعقد تسويق مربح في ظروف مشبوهة.

وهذا العقد الذي حصل عليه ماهر من دون مناقصة قائمة على التنافس ذهب لشركة غير معروفة يملكها أحد أقارب ماهر من جهة زوجته. وقد أثارت تلك العملية تشكيكاً ومخاوف حول الشفافية والمساءلة. إلا أن الأغرب من كل ذلك هو الهيكلية المالية للصفقة، فقد حصلت الشركة على حصة تعادل 35% من عائدات التسويق، وتلك عمولة مرتفعة غير معهودة وفقاً للمعايير في هذا المجال.



طوال أشهر من العمل الصحفي الدقيق، وصل الصحفيون إلى وثائق حصرية أكدت بأن العقد منح فقط بناء على علاقات شخصية، وليس على أساس الأهلية أو التقييم التنافسي. وفي ذلك دليل واضح على تجذر المحسوبية في أوساط الرياضة بسوريا، كما يعبر ذلك عن وجود نمط أوسع للفساد الذي استشرى في مؤسسات الدولة أيام حكم الأسد.

ترأس التحقيق الاستقصائي صحفيان من سراج هما باسل الحمدو ومازن الهندي اللذان عملا في ظل ظروف شكلت خطراً كبيراً على سلامتهما وسلامة أهلهما، وذلك لأن البحث في أمر شخصيات صاحبة نفوذ كبير في سوريا، لاسيما تلك المرتبطة بالجيش أو الطبقة الحاكمة، يعتبر عملية محفوفة بالمخاطر تنطوي على تهديد بالاعتقال والتعرض للعنف أو لما هو أسوأ من كل ذلك.

وبالحديث عن التحقيق الذي أنجزه خلال حفل تسليم الجوائز، أكد الحمدو على التبعات التي يتحملها المرء عند عمله على تحقيقات من هذا القبيل، وأهدى الجائزة لأهله، في إقرار منه بالخطر الذي تعرضوا إليه بسبب عمله، فأكد من خلال ذلك على الواقع الذي يعيشه الصحفيون الاستقصائيون في بيئات تتسم بالاستبداد أو في بيئات شهدت في الماضي نزاعات، والتي تترتب فيها تضحيات شخصية جسيمة عند سعي المرء لكشف الحقيقة.

يأتي الاعتراف بأهمية هذا العمل الاستقصائي في ظل تغيرات سياسية كبيرة تحدث في سوريا، إذ مثل انهيار نظام الأسد في شهر كانون الأول من عام 2024 نهاية ذلك النظام الذي حكم لعقود طويلة والذي اتسم بسيطرته المركزية وشبكات المحسوبية الموسعة التي تتبع له، والتي تغلغلت في عدة قطاعات على رأسها الجيش وقطاع الأعمال والشركات، ولم تسلم منها الرياضة أيضاً.

يعتبر ماهر الأسد من الشخصيات التي كان لها دور مهم في الإبقاء على تلك الشبكات من خلال قيادته للفرقة الرابعة مدرعات، التي سيطرت على أنشطة اقتصادية عديدة، ولذلك أضحى تفكيك تلك الشبكات من التحديات الكبرى التي تعترض سبيل القيادة السورية الجديدة.

أعلن الرئيس الحالي أحمد الشرع عن التزامه بمكافحة الفساد والقضاء على المحاباة والمحسوبية في مؤسسات الدولة. ففي خطاب النصر الذي ألقاه في كانون الثاني من عام 2025، تعهد بإجراء إصلاحات شاملة تهدف لاستعادة ثقة الناس وإقامة حكم قائم على الشفافية.

إلا أن استمرار وجود حالات لمحاباة الأقارب والمحسوبيات داخل الإدارة الجديدة أثار شكوكاً حول مدى عمق تلك الإصلاحات ومصداقيتها، وذلك لأن شقيق الرئيس، حازم الشرع، يشغل حالياً منصباً رفيعاً، ألا وهو نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية. وفي الوقت الذي قام الرئيس ببعض الخطوات في هذا الاتجاه، مثل إغلاق مكتب تجاري لشقيقه الآخر بدمشق، يرى منتقدوه بأن تلك الإجراءات لا تكفي لتفكيك شبكات المحسوبية والمحاباة المتجذرة في المؤسسات.

يؤكد النجاح الذي حققه التحقيق الاستقصائي الذي قدمته شبكة سراج ومشروع الإبلاغ عن الجريمة والفساد المنظمين على أهمية دور الصحافة الاستقصائية في محاسبة السلطات، وخاصة في المناطق حيث تضعف أو تغيب آليات الرقابة والتوازن داخل المؤسسات. وعبر فضح الفساد في قطاع كرة القدم بسوريا أيام النظام البائد، لم يكشف الصحفيون عن تجاوزات حدثت داخل قطاع معين، بل سلطوا الضوء على أنماط أوسع من الفساد تضر بالبلد كله.



هذا ويمكن للمؤسسات الرياضية التي تعتبر في معظم الأحيان بعيدة كل البعد عن السياسة، أن تتحول في واقع الأمر إلى قنوات تدر أموالاً طائلة وتحقق نفوذاً كبيراً، وتوضح الحالة السورية إلى أي مدى يمكن للنخب السياسية أن تستغل تلك الأطر لتحقيق منافع شخصية، وهذا ما يقوض النزاهة في مجال الرياضة، وثقة الشعب بها.

يعبر اعتراف الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية بهذا العمل الاستقصائي عن تزايد الدعم الدولي للصحافة الاستقصائية في مجال الرياضة، ذلك المجال الذي أصبح تحت المجهر بسبب قضايا تراوحت ما بين الفساد والتلاعب بنتائج المباريات، وصولاً إلى فشل الحكومات.

ولهذه الجائزة أبعاد وتبعات تتجاوز حدود سوريا، كونها تؤكد أهمية التعاون العابر للحدود في مجال الصحافة، وخير مثال على ذلك الشراكة بين مشروع الإبلاغ عن الجريمة والفساد المنظمين وشبكة سراج، لأن حالات التعاون هذه تمكن الصحفيين من رصد الموارد، وتبادل الخبرات، وتوسيع أثر النتائج التي خلصت إليها تحقيقاتهم.

كما أضحى هذا العمل الاستقصائي موضع نقاش عالمي موسع حول الشفافية والمساءلة في مجال حوكمة الرياضة، ففي الوقت الذي تتعرض الهيئات الرياضية الدولية والاتحادات الوطنية لضغوطات كبيرة حتى تجري إصلاحات، تبقى التقارير الاستقصائية من الدوافع المهمة التي تحث على التغيير.

يمثل اعتراف الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية بعمل مشروع الإبلاغ عن الجريمة والفساد المنظمين وشبكة سراج لحظة فارقة في الصحافة الاستقصائية، وذلك لأن هذا العمل لم يكتف بفضح الفساد في مجال كرة القدم السورية أيام النظام البائد، بل سلط الضوء أيضاً على مشكلات ممنهجة تفشت في مؤسسات البلد منذ أمد طويل.

وفي الوقت الذي شرعت سوريا بفتح صفحة جديدة في تاريخها السياسي، يشير استمرار حالة المحسوبية والمحاباة إلى أن إجراء إصلاحات مهمة يتطلب جهوداً ورقابة على الدوام. وفي هذا السياق، يصبح دور صحفيين من أمثال باسل الحمدو ومازن الهندي غاية في الأهمية، وذلك لأن عملهما الاستقصائي يذكرنا بقدرة الصحفي على كشف الحقيقة حتى في بيئة محفوفة بالمخاطر والتحديات، كما يذكرنا بأن الكشف عن الحقائق يمكن أن يخلف أثراً لا يمحى على الصعيدين الوطني والعالمي.



المصدر: Blitz

عدد المشاهدات: 93943
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة