2026-07-21
أُسدل الستار على منافسات كأس العالم 2026 بتتويج المنتخب الإسباني بطلاً للمرة الثانية بعد فوزه على نظيره الأرجنتيني بهدف دون رد، في نسخة شهدت أكبر توسعة في تاريخ كرة القدم، بمشاركة 48 منتخباً واستضافة مشتركة من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

وقد خلّفت هذه النسخة وراءها العديد من اللحظات الكروية والمواقف السياسية والإنسانية التي ستظل حاضرة في الذاكرة الجماعية لفترة طويلة.

ورغم أن المونديال انطلق وسط طموحات عربية غير مسبوقة، مع مشاركة ثمانية منتخبات عربية للمرة الأولى في تاريخ البطولة، وهي: المغرب، ومصر، والجزائر، والسعودية، وقطر، وتونس، والأردن، والعراق، فإن البداية المتعثرة لعدد كبير منها سرعان ما بددت جانباً من تلك الآمال، وأثارت موجة واسعة من الانتقادات حول الأداء والنتائج.

لكن المنتخبين المصري والمغربي نجحا لاحقاً في إعادة إشعال الأمل، بعدما قدما مستويات لافتة، فقد صنع المنتخب المصري واحدة من أبرز مفاجآت البطولة بأدائه القوي أمام الأرجنتين، قبل أن يودع المنافسات وسط جدل كبير حول بعض القرارات التحكيمية، التي أثارت نقاشاً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وعلى إثر ذلك، تقدم الاتحاد المصري لكرة القدم بشكوى رسمية إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، مطالباً بفتح تحقيق بشأن أداء الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسيه الذي أدار مواجهة مصر والأرجنتين ضمن منافسات دور الـ16 من كأس العالم 2026.

وواصل المنتخب المغربي مشواره المميز بثبات وصلابة، محافظاً على شخصيته التنافسية حتى بلوغ الدور ربع النهائي، قبل أن يصطدم بالمنتخب الفرنسي القوي الذي نجح في حسم المواجهة لصالحه بنتيجة هدفين دون رد.

لكن، ومع وصول قطار البطولة إلى محطته الأخيرة، وبينما فككت إسبانيا الخطوط الدفاعية الصلبة التي وضعها ديدييه ديشامب، وجد المتابعون أنفسهم أمام مشاهد غير مؤلوفة في الشارع العربي: القلوب والأفئدة من المحيط إلى الخليج لم تكتفِ بمتابعة النهائي بين لا روخا والتانغو، بل انحازت بشكل واضح وجارف للجانب الإسباني.

في وقت توارت فيه العدالة الرياضية لدى البعض وسط تجاذبات الملاعب، وتحت مظلة الجدل السياسي والرياضي المحيط ببروتوكولات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والعلاقة الوطيدة مع الإدارة الأميركية، برز الموقف الإسباني صريحاً وواضحاً في القضايا الإنسانية العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ولم تكن المشاعر العربية تجاه إسبانيا مجرد عاطفة رياضية عابرة، بل جاءت رداً على مواقف سياسية وشعبية استثنائية، حيث كانت إسبانيا في مقدمة الدول الأوروبية التي اعترفت رسمياً بالدولة الفلسطينية وأدانت علانية الإبادة الجماعية والحصار على قطاع غزة، متجاوزة الضغوط الدولية. وشهدت شوارع مدريد وبرشلونة مسيرات حاشدة تضامناً مع الشعب الفلسطيني طوال أشهر حرب الاحتلال على قطاع غزة.

كذلك، جذب النجم الصاعد لامين جمال الأنظار عالمياً عندما رفع العلم الفلسطيني في احتفالات ناديه عندما توّج بالليغا الأخيرة، وهو الموقف الذي حظي بتأييد ودعم صريح من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.

وبعدما تعرض جمال لانتقادات من قبل الاحتلال الإسرائيلي وداعميه على خلفية مواقفه واحتفاله، حظي بدعم وتشجيع من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي بارك احتفاله وأكد مساندته له، مشدداً على أن "فلسطين تملك كل الحق في الوجود".



هذا الدعم قوبل بامتنان في الداخل الفلسطيني، حيث رُسمت لوحات جدارية للنجم الشاب في قلب قطاع غزة.



ولم تتوقف هذه المشاهد عند صفارة نهاية كأس العالم، إذ ظهرت مذيعة إسبانية توشحت بالكوفية الفلسطينية على الهواء مباشرة عقب التتويج، ما عمّق شعور الشارع العربي بأن هذا الفوز هو انتصار للإنسانية وللقيم النبيلة.



في المقابل، لم يكن موقف قطاع من الجماهير العربية تجاه المنتخب الأرجنتيني نابعاً من اعتبارات فنية أو كروية فحسب، بل تأثر أيضاً بالخلفيات السياسية التي أحاطت بالمباراة النهائية.

فقبل النهائي بيوم واحد، استقبل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سفير الأرجنتين في لقاء حمل رسائل دعم واضحة، تسلم خلاله قميص المنتخب الأرجنتيني الأصلي كهدية رمزية، معبراً عن أمله في تتويج الأرجنتين باللقب.

وقد عزز هذا المشهد لدى كثيرين الانطباع بأن المنتخب الأرجنتيني أصبح يُستخدم، ولو بصورة غير مباشرة، في محاولة لـ "غسل السمعة" من خلال الرياضة.

وعلى الرغم من أن ليونيل ميسي يحرص في معظم الأحيان على الابتعاد عن القضايا السياسية، مكتفياً بالتركيز على مسيرته الرياضية، فإن وسائل إعلام الاحتلال لطالما دأبت على توظيف صوره خلال زياراته إلى القدس وإظهار دعمه، وهو ما عزز لدى شريحة من الجماهير العربية الانطباع بوجود ارتباط بين صورته والخطاب الإعلامي الإسرائيلي.

وفي ضوء هذه المعطيات، استقبلت شريحة واسعة من الجماهير العربية تتويج إسبانيا بارتياح، معتبرة أن فوزها يمثل انتصاراً لكرة القدم، ورأت فيه رداً على محاولات استثمار الرياضة لخدمة أجندات الاحتلال.



بعيداً عن السياسة، قدم المنتخب الإسباني خلال البطولة درساً كروياً رفيعاً أعاد للذهن الأيام الذهبية لكرة القدم الجماعية.

كان أسلوب الإسبان خلال البطولة يعتمد على "تيكي تاكا" والاستحواذ، فضلاً عن الانضباط التكتيكي العالي، وهو ما قادهم إلى التتويج بلقب كأس العالم 2026 بعد فوزهم على الأرجنتين في المباراة النهائية، عقب انتصارهم على فرنسا في الدور نصف النهائي، ليحققوا نصراً مستحقاً على بطل العالم ووصيفه في نسخة 2022.

وكان انطباع الجماهير العربية أن المنتخب الإسباني يلعب كرة قدم ممتعة تستحق التتويج، بدلاً من الاعتماد المفرط على القوة البدنية أو القرارات التحكيمية المثيرة للجدل.

[ الأداء التكتيكي ] + [ المواقف الإنسانية ] + [ الإرث الثقافي ]

( تعاطف وتشجيع عربي جارف لـ "لا روخا" )

تظل إسبانيا في الذاكرة العربية أكثر من مجرد دولة أوروبية، إنها امتداد لتاريخ الأندلس بآثاره وعمارته في قرطبة وغرناطة وإشبيلية. وحينما سطع نجم لامين جمال ذي الأصول المغربية، أضاف بُعداً آخر لهذه العلاقة.

وتَعَرضَ يامال لحملات هجومية من اليمين المتطرف الإسباني عقب سجوده في الملعب احتفالاً بهدفه أمام السعودية بالمونديال، وأثار جدلاً أوروبياً واسعاً حول الهوية والاندماج. هذا التحدي جعل الجماهير العربية ترى في لامين وأمثاله من اللاعبين الشباب في إسبانيا رمزاً للتعايش والتنوع الثقافي الذي يتجاوز الحدود الضيقة.

بالإضافة إلى حب الجماهير العربية لأندية مثل برشلونة وريال مدريد جعل أسماء اللاعبين الإسبان قريبة ومألوفة للبيت العربي.



عندما أطلق الحكم صفارة النهاية معلناً فوز إسبانيا بهدف نظيف على الأسطورة ليونيل ميسي ورفاقه، وتتويجها بالنجمة المونديالية الثانية في تاريخها بعد 16 عاماً من ملحمة جنوب إفريقيا 2010، لم تقتصر الاحتفالات على شوارع إسبانيا.



في المحافظات السورية وفي شوارع القاهرة وعمّان، وحتى في المخيمات الفلسطينية، علقت الأعلام الإسبانية إلى جانب الأعلام الوطنية، واستطاع المنتخب الإسباني بكرة القدم الممتعة، ومواقف بلاده الإنسانية، أن يجمع قلوب الملايين في العالم العربي.

عدد المشاهدات: 64535
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة