الفن والثقافة > "ارتقاء تاريخي".. سوريا تتقدم 36 مرتبة على مؤشر حرية الصحافة لعام 2026
2026-04-30
حققت سوريا قفزة تاريخية غير مسبوقة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود"، حيث صعدت 36 مركزاً دفعة واحدة لتحتل المرتبة 141 من أصل 180 دولة شملها التصنيف.
وأوضحت المنظمة، في تقريرها الصادر صباح اليوم الخميس، أن سوريا - في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد - سجّلت أكبر ارتقاء في جدول الترتيب ضمن نسخة هذا العام.
ويأتي هذا التطور اللافت بعد أن ظلت سوريا لسنوات طويلة تراوح في ذيل القائمة العالمية لحرية الصحافة، نتيجة عقود من الحكم الاستبدادي والديكتاتوري.
وفي عام 2025، جاءت سوريا في المرتبة 177 من أصل 180 دولة ضمن مؤشر حرية الصحافة، بينما حلت في عام 2024 في المرتبة 179 أي ما قبل الأخيرة.
ويرى الحقوقي السوري منصور العمري، في تصريح لموقع سوريا اكسبو، أن ارتقاء سوريا اليوم في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، ونهوضها من قاع هذا التصنيف ليس مجرد تغيير في الأرقام، بل يمثل "رد اعتبار لهوية البلاد الحضارية"، بعد أن تسببت عقود الاستبداد وجرائم النظام المخلوع في تشويه صورتها وحبس اسمها في القوائم السوداء لحقوق الإنسان وتصنيفات الحريات العالمية.
ويجد العمري أنه من غير المقبول لبلاد قدمت الأبجدية الأولى للبشرية أن تظل سجناً للأقلام والكلمات، فضلاً عن أن هذا التطور في تصنيف سوريا العالمي شهادة دولية على وجود تغيير ملموس وحقيقي على الأرض في الحريات الصحفية.
ويؤكد أن "الحدث الحقيقي هو تحسن حالة حرية الصحافة في سوريا على الأرض، ومنظمة مراسلون بلا حدود فقط وصفت هذا التطور عبر التصنيف والمؤشرات".
ويشدد محدّثنا على أن "الفضل في هذا الموقع الجديد يعود إلى الناشطين الإعلاميين والصحفيين الذين بذلوا التضحيات من أجل حرياتهم الإعلامية، وللجهود التوثيقية التي بذلتها المنظمات الحقوقية السورية والفاعلين الذين رصدوا الانتهاكات ودافعوا عن الصحافة الحرة، بالإضافة إلى الدور الأساسي والفاعل لمؤسسات الدولة ووزاراتها وفي مقدمتها وزارة الإعلام، ووزارتي الداخلية والعدل، لتهيئة بيئة أكثر انفتاحاً وحماية للصحافة الحرة".
ويوضح في ختام حديثه أن "هذه القفزة في التصنيف لا تمثل نهاية المطاف، بل هي حجر الأساس لمسيرة طويلة، تتطلب عملاً دؤوباً لتعزيز الحريات الصحفية وحمايتها عبر، صياغة أطر قانونية وعصرية تضمن استقلالية العمل الصحفي، وتوفير الدعم والحماية للصحافة على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية"، مشيراً إلى أن "الصحافة الحرة والمهنية ليست رفاهية، بل هي أحد الأعمدة الجوهرية لبناء سوريا الحديثة".
وفي سياق متصل، أفاد تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" أن سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024 أنهى خمسة عقود من القمع الوحشي والعنيف الذي مارسه الديكتاتور المخلوع وعائلته ضد الصحافة، مشيراً إلى أنه رغم التحسن الكبير الذي شهدته أوضاع الصحفيين في معظم أنحاء البلاد، لا تزال حريتهم هشة في ظل عدم الاستقرار السياسي والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وأشار التقرير إلى أن المشهد الإعلامي شهد عودة إلى الواجهة وسائل الإعلام التي كانت تعمل سابقاً في المنفى أو في مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة، ومن أبرزها إذاعة روزنة وعنب بلدي والجمهورية وعكس السير، مبيّناً أن وسائل الإعلام المقربة من قطر، مثل سوريا اكسبو والجزيرة، لا تزال تحظى بتأثير كبير في المشهد الإخباري السوري، بينما استأنفت معظم وكالات الأنباء العالمية نشاطها في دمشق بعد ساعات فقط من سقوط النظام المخلوع.
ولفت التقرير، في سياقه السياسي، إلى أنه على مدى خمسين عاماً، فرضت دكتاتورية الأسد وحزب البعث رقابة صارمة على الصحافة السورية، وخلال الثورة التي اندلعت في 2011، أدت الحملة القمعية العنيفة التي شنّها النظام إلى إسكات الصحافة في المناطق الخاضعة لسيطرته، من خلال الاغتيالات والاعتقالات.
ويضيف: "في المناطق الواقعة تحت سيطرة الفصائل المعارضة تعرّض الصحفيون أيضاً للترهيب والاحتجاز من قِبل الجماعات المسلحة، ولا يزال مصير بعضهم مجهولاً. وبعد سقوط النظام في 2024، تعهّدت الحكومة الجديدة بالعمل على إرساء إطار مستدام لصحافة مستقلة".
وأوضح التقرير أن الإطار القانوني شهد تغيراً جذرياً، إذ أدى سقوط النظام إلى توقّف العمل بالإطار التشريعي الذي كانت تعتمده حكومة الأسد لإضفاء الشرعية على سياساتها القمعية. فبالإضافة إلى القوانين الاستبدادية، كان النظام يلجأ في كثير من الأحيان إلى الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء.
وذكر أن الحكومة الجديدة تعهّدت بالعمل من أجل "صحافة حرة" وضمان "حرية التعبير"، فيما تتواصل دعوات الصحفيين السوريين ووسائل الإعلام الوطنية، إلى جانب الجمعيات المحلية المدافعة عن حرية الصحافة، إلى سنّ دستور جديد يكفل حقهم في الوصول إلى المعلومات.
أما من الناحية الاقتصادية، فذكرت المنظمة أنه في عهد نظام بشار الأسد، كانت أغلب وسائل الإعلام السورية ـ التي تأثرت جميعها بالعقوبات الدولية المفروضة على البلاد ـ ممولة من قبل الدولة أو من قبل أشخاص مقربين من السّلطة، معتبرةً أن توقف بعض هذه المنابر الإعلامية عن العمل، إما بشكل دائم أو مؤقت، لم يلغِ حالة الغموض حول إعادة الهيكلة الاقتصادية للمنظومة الإعلامية.
ونوّه التقرير إلى عودة سوريا اكسبو إلى البلاد ونشر طواقمه في العاصمة السورية.
وفيما يتعلق بالسياق الاجتماعي والثقافي، أوضح التقرير أن الصحافة تأثرت تأثراً شديداً بالاستقطاب المجتمعي الموروث عن الصراع الداخلي الذي دام أكثر من خمسة عشر عاماً.
ويضيف التقرير: "أصبح "الناشطون الإعلاميون" يعملون في قلب العاصمة دمشق، ويتعلق الأمر بالصحفيين المعارضين لنظام الأسد، والذين كانوا يتخذون من شمال البلاد مقراً لهم، علماً أن اتخاذهم مسافة عن السلطات الجديدة وموقفاً منتقداً لها يشكل أحد التحديات الرئيسية في إعادة تموضع هؤلاء الصحفيين الذين يتمتعون بتأثير بالغ في المشهد الإعلامي السوري خلال المرحلة الانتقالية، إذ قد شكلت صفحاتهم الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، خلال سنوات الصراع، بديلاً فعلياً لوسائل الإعلام التقليدية في المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين أثناء الصراع".
واختتم التقرير بالحديث عن ملف الأمن، حيث أشار إلى أن القمع الذي مارسه نظام الأسد ضد الصحفيين من اعتقالات واختطافات وتعذيب واغتيالات، أجبر عدداً كبيراً منهم على اللجوء إلى المنفى، هرباً من سوء المعاملة أو الموت.
ولفت التقرير إلى أن المرحلة الانتقالية فتحت الباب أمام فترة من الأمان النسبي، لكن الاشتباكات العنيفة بين القوات الحكومية وما اعتبرها "الأقليات الدينية" في الساحل، وشمال شرقي سوريا والسويداء، عرّضت عدداً كبيراً من الصحفيين للعنف والترهيب، بينما يبقى الصحفيات والصحفيون المنتمون إلى أقليات دينية الأكثر عرضة للهشاشة، على حد زعم التقرير.
بينما كشفت المنظمة أن أكثر من نصف بلدان العالم باتت تندرج، للمرة الأولى في تاريخ تصنيفها السنوي لحرية الصحافة، ضمن المنطقتين الموصوفتين بأن الوضع فيهما "صعب" أو "خطير للغاية".
وأوضحت المنظمة، في تقريرها لعام 2026، أن نسبة هذه البلدان بلغت 52.2%، بينما كانت لا تتجاوز 13.7% عام 2002، مشيرة إلى أن متوسط السجل الإجمالي للبلدان التي شملها التقييم لم يسبق أن هبط إلى هذا الحد من التدني على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية.
وذكرت "مراسلون بلا حدود" أن الحق في الوصول إلى المعلومات تَقوَّض بشكل تدريجي منذ عام 2001، حتى في بعض أعتى الديمقراطيات، وذلك تحت وطأة اتساع ترسانة تشريعية آخذة في التقييد وتشديد الخناق، ولا سيما في ظل تنامي سياسات الأمن القومي، مؤكدة أن المؤشر القانوني تراجع أكثر من غيره هذا العام، بما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو تجريم العمل الصحفي.
ولفت التقرير إلى أن منطقة الأميركتين شهدت تقلبات ملحوظة، حيث فقدت الولايات المتحدة سبعة مراتب في التصنيف، فيما تجد بلدان عديدة في أميركا اللاتينية نفسها عالقة وسط دوامة من العنف والقمع.