2026-09-21
أثارت أغنية "محبوب قلبك" بصوت أصالة فرحاً في السويداء تجاوز الموسيقى إلى سؤال أوسع: هل يستطيع الفن أن يفتح باباً للاعتراف ورأب الصدع بين السوريين؟

اختصرت سمر تفاعلها مع ألبوم أصالة بكلمة واحدة: "تذكرتنا". فالشابة المنحدرة من السويداء وجدت في أغنية "محبوب قلبك" معنى يتجاوز الصوت والتوزيع الموسيقي، ويتمثل في وصول رسالة محبة إلى أهل المحافظة من خارجها.

تقول سمر لموقع سوريا اكسبو: "الغنية بتجنن، ونحن مبسوطين إنها ذكرتنا بين المحافظات"، موضحةً أن ما لفتها لم يكن مجرد استعادة أصالة لتراث السويداء، بل توقيت هذه الإشارة، في مرحلة شعرت خلالها بأن "حضور المحافظة في أعمال ومواقف فنانين سوريين من خارجها كان محدوداً، حتى في المساحات التي لا تستدعي تبني موقف سياسي أو الاصطفاف مع أي طرف".



لم تكن سمر تنتظر من أصالة أن تحدد المحق والمخطئ، أو أن تدخل في الأحداث القائمة بشأن السويداء، وربما كان غياب هذا الموقف تحديداً جزءاً من أثر الأغنية عليها، بوصفها رسالة محبة تستطيع الوصول إلى شخصين من المحافظة يختلفان في السياسة، من دون أن تطلب من أحدهما التخلي عن موقفه كي يتلقاها.

بهذا المعنى، لم تكن "محبوب قلبك" بالنسبة إليها أغنية عن السويداء بقدر ما كانت أغنية لأهلها. وفي وقت بات فيه الحديث عن المحافظة يقود سريعاً إلى سؤال الاصطفاف، بدت هذه المسافة الصغيرة بين التعاطف والموقف السياسي أقرب إلى "طبطبة" لا تحتاج إلى شروط مسبقة.

طرحت أصالة "الألبوم السوري" في السابع من أيلول الجاري، مرفقاً بعبارة "من أصالة إلى سوريا التي نحب". ويضم المشروع 14 أغنية من التراث والفلكلور السوري، في إشارة إلى عدد المحافظات، بينها "محبوب قلبك" المرتبطة بالسويداء، وقدمت جميعها بتوزيعات موسيقية حديثة وألوان ولهجات مستمدة من مناطق مختلفة.

تبدو الفكرة بسيطة: أغنية لكل محافظة. لكن استقبالها في السويداء يكشف أن بساطتها قد تكون جزءاً من قوتها؛ فإذا كانت سمر قد توقفت عند أن المحافظة لم تُنسَ، فإن ميس بو عساف، وهي من السويداء أيضاً، قرأت المشروع من الجهة المقابلة، إذ رأت أن أهمية الأغنية لا تكمن في تذكّر السويداء وحدها، بل في أن هذا التذكّر لم يستثنِ بقية المحافظات.

تقول ميس لموقع سوريا اكسبو إن ما أعجبها هو أن أصالة خصّت كل محافظة بمساحتها، و"ما استثنت ولا محافظة"، في ظرف تصفه بأنه شديد الصعوبة على السوريين. وبالنسبة إليها، لا تأتي جمالية الفكرة من حصول السويداء على أغنيتها فحسب، بل من وجودها ضمن مشروع يمر على المحافظات كلها، من دون أن يجعل الاحتفاء بمنطقة على حساب أخرى.

وتشير إلى أن أكثر ما أثر فيها هو الانتقال من خصوصية كل محافظة إلى مخاطبة سوريا بوصفها مساحة واحدة؛ أي أن يكون لكل مكان صوته وخصوصيته، من دون أن تتحول هذه الخصوصية إلى حدود تفصله عن بقية الأماكن.



تلتقي شهادتا سمر وميس عند معنيين متكاملين: تقول الأولى، بمعنى ما، إن أحداً رآهم، في حين تضيف الثانية أنه لم يرهم وحدهم. وبين الشعور بأن لك مكاناً في الصورة والاطمئنان إلى أن وجودك فيها لا يحتاج إلى إقصاء الآخرين، تظهر فكرة تبدو شديدة البساطة نظرياً، لكنها بالغة التعقيد في الواقع السوري.

دخلت الأغنية إلى المساحة السياسية من طريق آخر، حين عبّر صانع المحتوى مجد سلام، ابن السويداء، عن محبته لأصالة، بالتزامن مع سخريته من الطروحات الانفصالية المرتبطة بالسويداء.



ولعل القارئ الآن، حتى هذه اللحظة، لم يشعر بالحاجة إلى معرفة رأي سمر أو ميس أو مجد سلام في مستقبل السويداء، ولا موقع أي منهم من الروايات المتعارضة لما جرى فيها. فقد تلقّى كلامهم بوصفه استجابة إنسانية لأغنية، لا مواقف سياسية ينبغي أن يتفق معها أو يرفضها.

وهذا بالضبط ما تفعله "محبوب قلبك": تتيح لأشخاص قد يختلفون في كل ما يحيط بالسويداء أن يلتقوا عند أغنية واحدة، من دون أن يضطر أحدهم إلى تعريف نفسه سياسياً قبل أن يحبها.

لا يعني ذلك أن الفن ألغى الخلاف، بل يعني أن الخلاف لم يتمكن، للحظات، من إلغاء كل شيء آخر.

من السهل الانتقال من هذه اللحظة إلى جملة كبيرة من نوع "الفن يوحّد السوريين"، لكنها ستكون أكبر من الوقائع. فأغنية لا تحقق العدالة لضحايا الانتهاكات، ولا تعيد مهجراً إلى منزله، ولا تعالج غياب الثقة، ولا تحسم الخلاف على شكل الدولة والعلاقة بين المركز والمناطق، كما لا تجعل الروايات المتناقضة عن الماضي رواية واحدة، ولا ينبغي تحميل الفن مسؤولية ذلك أصلاً.

لكن بين إنهاء الصراع والعجز الكامل عن التأثير فيه مساحة واسعة. ففي تموز الماضي، نشر المجلس الثقافي البريطاني دراسة عن دور الفنون والثقافة في المجتمعات المتأثرة بالصراعات ، تضمنت دراسات حالة من سوريا، وخلصت إلى أن أثر الفن لا يتوقف على شكله، بل على ما يستطيع خلقه من استعادة للكرامة، وإتاحة للتعبير، وبناء للثقة، وربط بين الناس، وحفاظ على الذاكرة.

وفي المقابل، حذرت الدراسة من التعامل مع الفن بوصفه قوة إيجابية تلقائياً، مؤكدةً أن أثره يتوقف على السياق والطريقة التي يُستخدم بها، وأن النشاط الفني نفسه قد يساعد أو يلحق الضرر تبعاً للظروف المحيطة به.

تبدو هذه الحدود مهمة في حالة السويداء، فـ"محبوب قلبك" لم ترأب صدعاً، لكن ردود الفعل عليها تكشف شيئاً عما قد يسبق رأب الصدع: أن يشعر الإنسان بأنه يستطيع أن يكون موضع تعاطف، من دون أن يُطلب منه أولاً إثبات صحة موقفه السياسي.

وربما تكون هذه إحدى أكثر المساحات التي يستطيع الفن دخولها، فالسياسة تبدأ غالباً من الاختلاف والأسئلة المرتبطة بالموقف والاصطفاف، في حين تستطيع الأغنية أن تبدأ من شيء يسبق ذلك كله: أن أسمعك.

مع ذلك، لا يكتمل اختبار الفكرة عند حدود السويداء. فإذا استمع أبناء المحافظة إلى "محبوب قلبك" لأنها تمثلهم، واكتفى أبناء كل محافظة بالأغنية التي تمثل منطقتهم، يكون الألبوم قد وضع 14 هوية محلية إلى جوار بعضها، من دون أن يجعلها بالضرورة تقترب من بعضها.

أما السؤال الأبعد، فيتعلق بما إذا كان السوري سيسمع أغنية المحافظة الأخرى أيضاً: هل تصبح أغنية من السويداء مألوفة في حلب؟ وهل يسمع شخص في السويداء أغنية من الرقة بوصفها جزءاً من تراث بلد ينتمي إليه؟ وهل يمكن أن تتحول معرفة السوري بتراث الآخر من معلومة عن "منطقة أخرى" إلى جزء من ذاكرته الثقافية الشخصية؟

حينئذ فقط تصبح الخريطة الموسيقية أكثر من توزيع متوازن للأغنيات، فالانتماء لا يعني أن تتخلى المحافظة عن خصوصيتها كي تدخل في الوطن، ولا أن تختفي الفروق بين البيئات السورية المختلفة، بل ربما يبدأ حين يصبح ممكناً رؤية خصوصية الآخر من دون قراءتها بوصفها تهديداً لخصوصيتنا.

ومن هذه الزاوية، يحمل ترتيب المشروع معنى يتجاوز الموسيقا: 14 محافظة، لكل منها أغنيتها، داخل ألبوم واحد، ولا تحتاج واحدة منها إلى الصمت كي تُسمع الأخرى.

تختم سمر حديثها قائلةً: "من القلب شكراً أصالة" أو كما يقول أهل السويداء بلهجتهم المحلية: "كفيتِ ووفيتِ".

عدد المشاهدات: 83818
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة