2026-10-25
عاد الفنان اللبناني فضل شاكر إلى خشبة المسرح بعد غياب استمر نحو 14 عاماً، من بوابة العاصمة السعودية الرياض، التي استضافت مساء الخميس حفله الغنائي الأول ضمن فعاليات موسم الرياض 2026، في محطة استثنائية من مسيرته الفنية، طوت سنوات طويلة من الابتعاد عن الحفلات الجماهيرية، شهدت خلالها حياته تحولات سياسية وأمنية وقضائية، ارتبط بعضها بمواقفه الداعمة للثورة السورية منذ انطلاقتها عام 2011.

وجاءت عودة شاكر من خلال حفل حمل عنوان "عودة الغايب"، على مسرح أبو بكر سالم في منطقة بوليفارد سيتي، بتنظيم شركة "بنش مارك" وإشراف الهيئة العامة للترفيه السعودية، وسط اهتمام جماهيري وإعلامي واسع بفنان ظل صوته حاضراً في ذاكرة محبيه رغم غيابه الطويل عن المسارح.

وشكّل الحفل مناسبة لاستعادة واحدة من أبرز التجارب الغنائية الرومانسية في العالم العربي، بعدما ارتبط اسم شاكر بأعمال حققت انتشاراً واسعاً، من بينها "يا غايب" و"معقول" و"لو على قلبي" و"بياع القلوب"، قبل أن تتوقف حفلاته عقب إعلانه اعتزال الغناء عام 2012، ودخوله لاحقاً في أزمات أمنية وقضائية بلبنان.

وكان الإعلان عن عودة فضل شاكر إلى الحفلات قد أثار تفاعلاً كبيراً منذ مطلع تشرين الأول الجاري، عندما كشف رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية، تركي آل الشيخ، عن استضافة الفنان اللبناني ضمن موسم الرياض.

وسرعان ما انعكس هذا الاهتمام على مبيعات التذاكر، إذ نفدت تذاكر الحفل الأول خلال دقائق من طرحها، ما دفع المنظمين إلى إضافة حفل ثانٍ مساء الجمعة 23 تشرين الأول، تحت العنوان نفسه "عودة الغايب".

وبحسب صحيفة "الرياضية" السعودية، تجاوز عدد المنتظرين في الطوابير الإلكترونية لحجز التذاكر عشرات الآلاف، في مؤشر على حجم الترقب لعودة الفنان اللبناني إلى لقاء جمهوره مباشرة بعد سنوات من الاكتفاء بالإصدارات الغنائية والتسجيلات المصورة.

وسبق الحفل وصول شاكر إلى الرياض في 20 تشرين الأول، برفقة نجله الفنان محمد فضل شاكر، وسط استقبال وثّقته الجهة المنظمة ونشرت مقاطع منه عبر منصات التواصل الاجتماعي.

كما أظهرت مقاطع من البروفات النهائية شاكر وهو يغني "يا غايب" بمرافقة الفرقة الموسيقية، في مشهد اكتسب دلالة خاصة بالنظر إلى سنوات غيابه الطويلة، فيما وجّه رسالة مقتضبة إلى جمهوره قائلاً: "أهل الرياض.. جاهزين؟".

وشهد الحفل استقبالاً حافلاً لفضل شاكر، إذ وقف الجمهور وصفّق له لدى ظهوره على المسرح، فيما وقفت الفرقة الموسيقية بدورها لتحيته، في مشهد عكس حجم التقدير الذي يحظى به الفنان بعد سنوات غيابه.

وظهر شاكر مرتدياً بدلة سوداء وقميصاً أبيض ونظارته الداكنة، قبل أن يتقدم لتحية الحاضرين، واضعاً يده على قلبه تعبيراً عن امتنانه للاستقبال.

واستهل الفنان اللبناني وصلته الغنائية بأغنية "إلا وأنا معاك"، وسط تفاعل من الجمهور، قبل أن يتوجه إلى الحاضرين بكلمات عبّر فيها عن سعادته بتحقق حلم العودة إلى المسرح.

وقال شاكر مخاطباً الجمهور: "إذا أراد اللقاء بين الأحباب، سهّل السبل"، مضيفاً: "نوّرتوني وأكرمتموني يا أهل الرياض"، كما عبّر عن امتنانه لهذه اللحظة بقوله: "الله عز وجل حقق لي حلمي".

تعود بداية التحولات الكبرى في حياة فضل شاكر إلى عام 2012، عندما أعلن اعتزال الغناء، رغم تمتعه آنذاك بشعبية واسعة ومكانة بارزة بين نجوم الأغنية العربية.

وجاء قرار الاعتزال بالتزامن مع انخراطه المتزايد في النشاط الديني والسياسي، وتقربه من الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا اللبنانية، الذي عُرف بمواقفه المناهضة للنظام السوري السابق وحزب الله اللبناني.

وشهدت تلك المرحلة تصاعداً في حدة الانقسامات السياسية والأمنية داخل لبنان، على خلفية الثورة السورية وتدخل حزب الله عسكرياً إلى جانب نظام بشار الأسد.

وفي حزيران 2013، اندلعت مواجهات مسلحة في منطقة عبرا بمدينة صيدا بين الجيش اللبناني ومسلحين من أنصار أحمد الأسير، وأسفرت عن مقتل عسكريين ومسلحين.

وأدت هذه الأحداث إلى ملاحقة شاكر قضائياً، على خلفية اتهامات تتعلق بدعم مجموعات مسلحة والتورط في أنشطة مرتبطة بالمواجهات، وهي اتهامات نفى الفنان اللبناني مراراً مشاركته المباشرة فيها، مؤكداً أنه لم يحمل السلاح ضد الجيش اللبناني.

وعقب الأحداث، توارى شاكر داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا، حيث أمضى أكثر من 12 عاماً بعيداً عن الحياة العامة، وصدرت بحقه أحكام قضائية غيابية، من بينها حكم بالسجن 15 عاماً عام 2017، وأحكام أخرى عام 2020.

وفي تشرين الأول 2025، سلّم شاكر نفسه إلى السلطات اللبنانية، لتبدأ مرحلة جديدة من الإجراءات القضائية، شهدت لاحقاً صدور أحكام بالبراءة في بعض الملفات، قبل إخلاء سبيله بكفالات مالية في تموز 2026، مع استمرار النظر في قضايا أخرى.

ورغم عودته إلى النشاط الفني، ما تزال أحداث عبرا موضع خلاف في لبنان، ولا سيما لدى عائلات العسكريين الذين قُتلوا خلالها، والتي تطالب بمحاسبة جميع المسؤولين عن تلك المواجهات.

ولدى السوريين، يحمل اسم فضل شاكر دلالة تتجاوز مسيرته الغنائية، إذ يُعد من أبرز الفنانين العرب الذين أعلنوا تأييدهم العلني للثورة السورية في سنواتها الأولى، عندما كانت مواقف الفنانين من الاحتجاجات الشعبية ضد نظام بشار الأسد موضع انقسام واسع.

فمنذ عام 2011، انحاز شاكر إلى مطالب السوريين بالحرية، وانتقد القمع الذي مارسته قوات النظام المخلوع بحق المتظاهرين، في وقت اختار فيه عدد من نجوم الفن الابتعاد عن إعلان مواقف سياسية واضحة.

ولم يقتصر دعمه على التصريحات الإعلامية، بل شارك في تحركات وتظاهرات تضامنية مع الشعب السوري في لبنان، من بينها تظاهرة أُقيمت في بيروت في آذار 2012، دعا إليها الشيخ أحمد الأسير نصرةً للسوريين.

وأثارت مواقفه ردود فعل متباينة في الوسطين الفني والإعلامي، ولا سيما من جانب مؤيدي النظام السوري المخلوع، في حين حظي بتأييد شريحة واسعة من السوريين الذين رأوا في مواقفه تضامناً واضحاً مع مطالبهم بالحرية والكرامة.

وامتد ارتباط شاكر بالقضية السورية إلى أعماله الغنائية، إذ قدّم أناشيد وأغنيات مرتبطة بصمود السوريين، من بينها "سوف نبقى هنا".

وبعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، احتفى شاكر بالتطورات في سوريا من خلال أعمال غنائية، بينها "هي شامنا" و"الشام فتّح"، مجدداً ارتباطه الوجداني بالبلاد التي أعلن تأييده لثورتها منذ بداياتها.

ولم يغب موقف فضل شاكر من الثورة السورية عن الاهتمام الرسمي بعد سقوط النظام، إذ وجهت وزارة الثقافة السورية في عام 2026 دعوة إليه لزيارة دمشق وتكريمه، تقديراً لمسيرته الفنية وموقفه الداعم للسوريين.

وأكد وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، في تصريحات لمنصة "بالعربي"، أن الدعوة جاءت تعبيراً عن الوفاء لفنان وقف إلى جانب حرية السوريين في مرحلة كانت فيها كلفة إعلان مثل هذا الموقف مرتفعة.

وأشار الوزير إلى أن شاكر حافظ على موقفه من الثورة السورية، في وقت تراجع فيه آخرون عن مواقفهم أو بدلوها، معتبراً أن تكريمه يجمع بين الاعتراف بمكانته الفنية وتقدير موقفه الإنساني والسياسي.

عدد المشاهدات: 78661
سوريا اكسبو - Syria Expo




إقرأ أيضا أخبار ذات صلة